الفتور.. أسبابه ومظاهره وعلاجه
محمد الجهمي • التزكية
فالعشق يمنع القرار، ويسلب المنام، ويحدث الجنون، وكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله وعرضه ونفسه، وأتلف دينه ودنياه، والعشق بذلك يترك الملِك مملوكًا، والسلطان عبدًا، ترى الداخل فيه يتمنى الخلاص، ولات حين مناص!
8- الانحراف في فهم العقيدة:
لا سيما مسألة "القضاء والقدر"، وعدم تحقيق التوكل على الله -سبحانه وتعالى-.
9- الفناء في ملاحظة حقوق الأهل والأولاد واستغراق الجهد في التوسع في تحقيق مطالبهم:
نظرًا لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ) (رواه البخاري) .
وقد عدَّ "القرآن الكريم" الأهل والأولاد أعداء للمؤمن إذا حالا بينه وبين طاعة الله -عز وجل-، روى ابن جرير عن عطاء بن يسار في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) (التغابن:14) ، قال: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو؛ بكوا إليه ورققوه، فقالوا: "إلى من تدعُنا" فيرق ويقيم، فنزلت هذه الآية.
10- المناهج التربوية والتعليمية الهدامة:
التي تثبط الهمم، وتخنق المواهب، وتكبت الطاقات، وتخرب العقول، وتنشئ الخنوع، وتزرع في الأجيال ازدراء النفس، وتعمق فيها احتقار الذات والشعور بالدونية، مثل: المناهج الصوفية التي تُعرِض عن علوم القرآن والسنة، وتُرهِّب مريديهم من طلب العلم الشرعي حتى سقط من كم أحدهم يومًا قلم كان يخفيه؛ خشية أن يفتضح بينهم بطلب العلم! فقال له شيخه: "استر عورتك!".
وكذلك المناهج التعليمية والتربوية التي ارتضت العالمانية دينًا، فراحت تسمم آبار المعرفة التي يستقي منها شباب المسلمين؛ لتخرج أجيالاً مقطوعة الصلة بالله، تبتغي العزة في التمسح على أعتاب الغرب، وتأنف من الانتساب إلى الإسلام!
11- توالي الضربات، وازدياد اضطهاد العاملين للإسلام:
مما ينتج الشعور بالإحباط في نفوس الذين لا يفقهون حقيقة البلاء وسنن الله في خلقه، كما ينتج عنه: استطالة الطريق؛ فيضعف السير إلى الله -عز وجل-، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يعزي أصحابه المضطهدين في "مكة" بتبشيرهم بأن المستقبل للإسلام، وبأن العاقبة للمتقين، كما في حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه- أنه قال: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .
أخي ستبيد جيوش الظلام ويشرق في الكون فجر جديد
فأطـلـق لـروحك إشراقـها تـرى الفـجـر يرمقنا من بعيد
12- الغلو والتشدد وتحميل النفس ما لا تطيق:
فيخالف بذلك الهدي النبوي، ثم يفتر ويمل، دَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ؛ فَقَالَ: ( مَا هذَا الْحَبْلُ؟! ) قَالُوا: هذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ؛ تَعَلَّقَت. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لاَ، حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ ) (متفق عليه) .
وكذلك حديث الثلاثة الذي تقالوا عبادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا -وَاللهِ- إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي ) (متفق عليه) .
13- الذنوب والمعاصي:
قال الله -تعالى-: ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (المطففين:14) ، قال أنس: "هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب". وقيل لعبد الله بن مسعود: "لا نستطيع قيام الليل". فقال: "أبعدتكم الذنوب والمعاصي".وقال أحد السلف: "حرمتُ قيام الليل أربعين ليلة بذنب أصبته".
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
علاج الفتور:
1- العلم والبصيرة:
فالعلم يصعد بالهمة، ويورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال، فيتقي فضول المباحات التي تشغله عن التعبد: كفضول الأكل، والنوم، والكلام، ويراعي التوازن والوسطية بين الحقوق والواجبات؛ امتثالاً لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ )، ويبصره بحيل إبليس وتلبيسه عليه؛ كي يحول بينه وبين ما هو أعظم ثوابًا.
2- إرادة الآخرة، وجعل الهموم همًّا واحدًا: