ماذا تعلمنا من الحج؟
إيهاب الشريف • التزكية
إنَّ الواجب على كل مسلم أن يحذر الشرك أشدَّ الحذر، وأن يخاف الوقوع فيه أشد الخوف، فهذا نبيُّ الله وخليله إبراهيم -عليه السلام- يقول في دعائه: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) (إبراهيم:35-36) ، فخاف -عليه السلام- من ذلك ودعا ربَّه أن يعافيه وبنيه من عبادتها، فإذا كان إبراهيم -عليه السلام- يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام، فما ظنّك بغيره؟! كما قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "ومن يأمنُ البلاء بعد إبراهيم؟!" (رواه ابن جرير في تفسيره 8-228) .
فهذا ولا ريب يوجب للقلب الحي الخوفَ من الشرك وشدّة الاحتراز منه، وسؤالَ الله دومًا وأبدًا العافية من الوقوع فيه، وهذا أيضًا يتطلب من العبد المؤمن أن يكون عالمًا بحقيقة الشرك وأسبابه، ومبادئه وأنواعه؛ لئلا يقع فيه، ولهذا قال حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه­-: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي" (رواه البخاري ومسلم) .
وذلك أنَّ من لم يعرف إلاَّ الخير قد يأتيه الشر ولا يعرف أنَّه شرٌّ، فإما أن يقع فيه، وإمَّا أن لا ينكره كما ينكره الذي عرفه؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام مَن لم يعرف الجاهلية".
إن البعد عن الشرك كله وإخلاص التوحيد لله أصل يجب أن تُبنى عليه كلُّ طاعة يتقرّب العبد بها إلى الله -تعالى-، الحجُّ وغيرُه، وقد قال الله -تعالى- في سورة الحج: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) (الحج:27-31) .
فحذّر -سبحانه- في هذا السياق الكريم المتعلّق بالحج من الشرك، وأمر باجتنابه، وبيّن قبحَه وسوءَ عاقبته، وأن فاعله بفعله له كأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، كما أنه -سبحانه- قد أمر نبيه إبراهيم -عليه السلام- في الآية التي قبل هذه الآيات بتطهير البيت بعد أن بوَّأه مكانه، ونهاه عن الإشراك بالله، وذلك في قوله -سبحانه-: ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (الحج:26) ، فكانت بذلك الآيات المتعلّقة بالحج محفوفة بالتحذير من الشرك، والنهي عنه، وبيان سوء عاقبته، مما يدلُّ أعظم دلالة على شناعة الشرك وعظم خطورته، حمانا الله وإياكم منه، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل.
وهل تعلمنا أيضًا إفراد الله -عز وجل- بالحكم والتشريع؟!
أما آن لنا أن نرفض تلك القوانين المستوردة الدنسة التي تعذب بسببها البلاد والعباد سنين طويلة؟!
أما آن لنا نحكم شرع الله -عز وجل- في العباد والبلاد؟!
وهل وصلتنا أيضًا رسالة الولاء لله -عز وجل- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين، والبغض للكفار والمشركين؟!
أما فهمنا هذا الدرس من الرابطة التي جمعت هذا العدد الهائل في هذا المكان؟! وهل هي اللون أم الجنس أو الوطن أم الراية أم.. أم.. ؟! كلا إنها رابطة الإيمان.. والإيمان فحسب.. ترى المسلم الروسي والصيني والأمريكي والكندي والأفريقي والعربي.. الكل لبى النداء وجاء لأداء نفس الشعيرة.. ما ترى أبدًا فيهم يهوديًا ولا نصرانيًا وإنما موحدون فقط؟ فليتنا نعي هذا الدرس وننطلق به في حياتنا، فنعلن ولاءنا لله.. فالمسلم أخو المسلم.. ليس أخًا لكافر يهودي أو نصراني، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:28) ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (المائدة:51) .
فأين الحجيج من هذا الدرس العميق؟!
إن دروس العقيدة والتوحيد في الحج لمن أبرز ما يكون.
ثانيًا: ومِن دروس الحج (الاتباع):
الحرص البالغ من الحجيج على اتباع الحبيب -صلى الله عليه وسلم- لما سمعوا قوله: ( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ ) (رواه مسلم) ، فتراهم حريصين أشد الحرص على السنن، وعلى اتباع الهدي النبوي، ولربما ومن غير العرب مَن يقاتل أو يزاحم على بعض السنن وإن أدى ذلك إلى هلاكه: كتقبيل الحجر، والركن، وغير ذلك..