شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

في ظلال كتاب "عقيدة الصلب والفداء" لرشيد رضا

أحمد الفيشاوي • غير مصنف

- يلزم من هذه القصة ما هو أعظم من عجز الخالق -تعالى وتقدس- عن إتمام الجمع بين العدل والرحمة في حق بني آدم، وهو حصول ما هو ضد العدل والرحمة في حق المسيح -عليه السلام- ، فإنه عذبه من حيث هو بشر وهو لا يستحق العذاب؛ لأنه لم يذنب ذنبًا قط، وهو باتفاقهم لم يرث الخطية من آدم -عليه السلام-، فتعذيبه بالصلب وغيره لا يصدر عن عادل ولا عن رحيم بالأحرى!

- يلزم من تلك القصة أن يكون أهلها إباحيين؛ فإن مَن يؤمن بهذه القصة عندهم يكون ناجيًا من عذاب الآخرة مهما كانت أخلاقه وأعماله، وناهيك بهذا مفسدًا للبشر.

- ما رأينا أحدًا من العقلاء يقول: "إن عفو السيد عن عبده الذي يعصيه ينافي العدل والكمال، بل يعدون العفو من أعظم الفضائل" اهـ .

والشيخ -رحمه الله- لم يكن غرضه هنا استقصاء الرد على هذه القصة، ولذلك اختصر الرد عليها جدًا بينما فصَّل بعض الشيء في الفصل الذي يليه -الفصل الرابع- عن الخلاص في الإسلام، وبضدها تتبين الأشياء.

فقال -رحمه الله- في الفصل الرابع تحت عنوان: "الجزاء والخلاص في الإسلام": "نذكر هنا عقيدة الإسلام في هذه المسألة بالإيجاز؛ لأن شرحها قد تقدم مرارًا كثيرة -يعني في المنار- فنقول: إن مدار نجاة الإنسان من العقاب وفوزه بالنعيم والسعادة الأبدية إنما هو على تزكية نفسه وتطهيرها من العقائد الوثنية الباطلة، والأخلاق الفاسدة، ومدار الهلاك على ضد ذلك؛ قال -تعالى-: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:7-10) ، فركب الله -تعالى- في الإنسان قوة فطرية تمكنه من إرادة الخير والشر، ومن أعمال التقوى والخيرات ومن أعمال الفجور والشرور، والإنسان هو الذي يزكي نفسه بهذه أو يدسيها بتلك، فمن صحت عقيدته وحسن عمله صلحت نفسه وزكت وكان أهلاً للنعيم في العالم الأخروي، ومَن كانت عقيدته خرافية باطلة، وأخلاقه وأعماله سيئة فسدت نفسه وخبثت، وكان هو الذي تكلف تدسيتها ودهورتها إلى هاوية الجحيم. فالجزاء في الإسلام أثر لازم ومباشر لعمل الإنسان نفسه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وقد شرحنا هذا المعنى بالتفصيل في مواضع متعددة عند تفسير قوله -تعالى-: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) (النساء:123-124) ، وعند قوله -تعالى-: ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ) (النساء:31) ، وعند قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) ، ونحو ذلك من الآيات.

فمن أخلص لله في تزكية نفسه وإصلاحها بالإيمان والعمل الصالح بقدر استطاعته كان مقبولاً عند الله ولا يؤاخذه -تعالى- بما لا يستطيع، ومَن لم يكن كذلك غضب الله عليه، وكان محرومًا مِن رضوانه الأكبر.

وقد عُلم مما ذكرناه مِن تزكية النفس وتدسيتها بعمل الإنسان وكسبه الاختياري أن الجزاء في الآخرة أثر لازم للتزكية والتدسية، مترتب عليهما ترتب السبب على المسبب والمعلول على العلة، بفضل الله وحكمته ومقتضى سنته في خلقه، والله يضاعف لمن يشاء، ويزيدهم من فضله.

أليست هذه التعاليم الإسلامية هي التي ترفع قدر الإنسان وتعلي همته، وتحفزه لطلب الكمال بإيمانه وإخلاصه وأعماله الصالحة؟!

أليست أفضل وأنفع مِن الاتكال على تلك القصة الصليبية المأثور مثلها عن خرافات الوثنيين التي لا يصدقها عقل مستقل، ولا يطمئن بها قلب سليم، المخالِفة لسنن الفطرة ونظام الخلقة، التي أفسدت العقول والأخلاق في الممالك الصليبية منذ شاعت فيها" اهـ .

ويقول -رحمه الله- في الفصل الخامس تحت عنوان: "عقيدة الصلب والفداء وثنية": "اعترف أمامنا كثير مِن الذين قالوا إنهم نصارى بأن كلاً مِن هذه العقيدة وعقيدة التثليث لا تعقل، وأن العمدة في إثباتهما عندهم النقل عن كتبهم المقدسة، فلما كانت تلك الكتب ثابتة عندهم وجب أن يقبلوا جميع ما فيها سواء وافق العقل أم خالفه! ويقول بعضهم: إن كل دين من الأديان فيه عقائد وأخبار يجزم العقل باستحالتها، ولكنها تؤخذ بالتسليم.

ونحن نقول: إنه ليس في الإسلام شيء يحكم العقل باستحالته، وإنما فيه أخبار عن عالم الغيب لا يستقل العقل بمعرفتها؛ لعدم الاطلاع على ذلك العالم، ولكنها كلها مِن الممكنات؛ أخبر بها الوحي فصدقناه، فالإسلام لا يكلف أحدًا أن يأخذ بالمحال.

وأما نقلهم عن كتبهم فسيأتي مناقشتهم فيها -يعني في الفصل السادس والأخير-، وهو على كل حال معارض بنقل الوثنيين في كتبهم مثل تلك العقائد والأخبار، فهذه عقيدة وثنية محضة سرت إلى النصارى مِن الوثنيين، كما بينه علماء أوروبا الأحرار، ومؤرخوهم وعلماء العاديات والآثار.

قال دوان في كتابه "خرافات التوراة وما يقابلها من الديانات الأخرى" ما ترجمته بالتلخيص: إن تصور الخلاص بتقديم بعض الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جدًا عند الهنود الوثنيين، وغيرهم...

وذكر شواهد على ذلك منها قوله: يعتقد الهنود أن كرشنا المولود البكر من الإله فشنوا تحنن على أهل الأرض فأتاهم وخلصهم بتقديم نفسه ذبيحة عنهم.

وقال مورينولميس: إن الهنود الوثنيين يعتقدون بالخطيئة الأصلية، ومما يدل على ذلك ما جاء في مناجاتهم وتوسلاتهم: إني مذنب ومرتكب الخطيئة وطبيعتي شريرة، وحملتني أمي بالإثم، فخلصني يا ذا العين الحندوقية، يا مخلص الخاطئين من الآثام والذنوب.

وقال القس جورج كوكس في كتابه "الديانات القديمة" في سياق كلامه عن الهنود: ويصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهـوتًا؛ لأنه قدم نفسه ذبيحة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية