هل سماع المعازف من مسائل الخلاف السائغ؟
الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة
الثالث: أنه إن كان ذلك انقطاعًا فمثل ذلك في الكتابين غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف من عادتهما وشرطهما، وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة؛ فلن يستجيرا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت، بخلاف الانقطاع أو الإرسال الصادر من غيرهما، هذا كله في المعلق بلفظ الجزم. أما إذا لم يكن ذلك منهما بلفظ جازم مثبت له عمن ذاكره عنه على الصفة التي تقدم ذكرها، مثل أن يقولا: روي عن فلان أو ذكر عن فلان أو في الباب عن فلان ونحو ذلك، فليس ذلك في حكم التعليق الذي ذكرناه، ولكن يستأنس بإيرادهما له".
فتح الباري "تعليق ابن باز" (10/52): "وأما دعوى ابن حزم التي أشار إليها -يقصد الزركشي- فقد سبقه إليها ابن الصلاح في "علوم الحديث" فقال: التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها، وصورته صورة الانقطاع وليس حكمه ولا خارجًا -ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح- إلى قبيل الضعيف، ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر، وأبي مالك الأشعري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ).
الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلاً: "قال هشام بن عمار" وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك؛ لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع" اهـ . ولفظ ابن حزم في "المحلى": "ولم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد... ".
إلى أن قال ابن حجر: "وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى مَن علق عنه ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولاً إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال، ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع وصنفت كتاب "تغليق التعليق". وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي، وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولاً في "مستخرج الإسماعيلي"، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار، وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"، فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، حدثنا هشام بن عمار، قال: وأخرجه أبو داود في سننه، فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده" انتهى .
وقال ابن القيم -رحمه الله- في حاشيته علي سنن أبي داود (10/153): "وقد طعن ابن حزم وغيره في هذا الحديث، وقالوا: لا يصح؛ لأنه منقطع لم يذكر البخاري مَن حدثه به، وإنما قال: وقال هشام بن عمار. وهذا القدح باطل من وجوه:
أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا حمل على الاتصال اتفاقًا؛ لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: "قال هشام" لم يكن فرق بينه وبين قوله عن هشام أصلاً.
الثاني: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولاً. قال الإسماعيلي في صحيحه: أخبرني الحسن، حدثنا هشام بن عمار بإسناده ومتنه -والحسن هو ابن سفيان-.
الثالث: أنه قد صح من غير حديث هشام، قال الإسماعيلي في الصحيح: حدثنا الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا بشر، حدثنا ابن جابر، عن عطية بن قيس، قال: قام ربيعة الجرشي في الناس فذكر حديثًا فيه طول، قال: فإذا عبد الرحمن بن غنم فقال: يمينًا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، والله يمينًا أخرى حدثني أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ ). وفي حديث هشام: الخمير والحرير، وفي حديث دحيم: الخز والحرير والخمر والمعازف، فذكر الحديث ورواه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، حدثني حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، قال: تذاكرنا الطلاق فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث بلفظه.
الرابع: أن البخاري لو لم يلقَ هشامًا، ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في صحيحه وجزمه به، يدل على أنه ثابت عنده عن هشام، فلم يذكر الواسطة بينه وبينه إما لشهرتهم وإما لكثرتهم، فهو معروف مشهور عن هشام تغني شهرته به عن ذكر الواسطة.
الخامس: أن البخاري له عادة صحيحة في تعليقه، وهي حرصه على إضافته الحديث إلى مَن علقه عنه إذا كان صحيحًا عنده، فيقول: وقال: فلان. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وإن كان فيه علة قال: ويُذكر عن فلان أو ويذكر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن استقرأ كتابه علم ذلك، وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام؛ فهو صحيح عنده.
السادس: أنه قد ذكره محتجًا به مدخلاً له في كتابه الصحيح أصلاً لا استشهادًا؛ فالحديث صحيح بلا ريب" انتهى .
قال الألباني في تحريم آلات الطرب: "تنبيه: لقد رأيت أيها القارئ الكريم كثرة من أخرج الحديث من الأئمة، وفي مصادر عديدة عن الصحابيين الجليلين: أنس، وعبد الرحمن، وهناك ثالث بنحوه، وزيادة في متنه أعرضت عن ذكره لشدة ضعف إسناده خرجته في "الضعيفة" (4095)، ومع هذا كله قال ابن حزم: في رسالته (ص97): "لا يدرى من رواه!"، وأكد ذلك في "محلاه"، فقال: (9/57-58): "لا ندري له طريقًا إنما ذكروه هكذا مطلقًا، وهذا لا شيء!". فهذا من الأدلة الكثيرة على صحة قول الحافظ ابن عبد الهادي في ابن حزم: وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه، وعلى أحوال الرواة. كما كنت نقلته عنه في "الصحيحة" بمناسبة تضعيف ابن حزم لحديث البخاري المتقدم".
قال الصنعاني -رحمه الله- في سبل السلام: "وأما ما لا يفعل إلا لمعصية: كالمزامير، والطنابير، ونحوها، فلا يجوز بيعها ولا شراؤها إجماعًا".