شبهات حول الدستور وأجوبتها (1)
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • قضايا معاصرة
وأما القول بأن الدستور فيه اعتداء سافر على السلطة القضائية -باعتبارها الملاذ الأخير للشعب المصري-: فهذا زعم غير صحيح، بل إن هذا الدستور حافظ على استقلالية السلطة القضائية وجعل التدخل في شؤون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم حيث نصت المادة (168) على: "السلطة القضائية مستقلة، تتولاها محاكم القضاء وتُصدر أحكامها وفقًا للقانون. ويبين القانون صلاحياتها، والتدخل في شؤون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم".
ونصت المادة (169) على: "تقوم كل جهة أو هيئة قضائية على شؤونها؛ ويكون لكل منها موازنة مستقلة، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها؛ وذلك وفقًا لما ينظمه القانون". ونصت المادة (170) على: "القضاة مستقلون، غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون وهم متساوون في الحقوق والواجبات. ويحدد القانون شروط وإجراءات تعيينهم، وينظم مساءلتهم تأديبيًّا، ولا يجوز ندبهم إلا ندبًا كاملاً، وللجهات وفي الأعمال التي يحددها القانون؛ وذلك كله بما يحفظ استقلال القضاء وإنجاز أعماله".
فأين ما يدعون؟!
- وقالوا: مجلس نقابة الصحافيين قال أعضاؤه: إن الصحافة كانت سلطة رابعة في دستور 71 والآن هذا الدستور وضع قيودًا على عمل الصحفيين، وسمح بحبسهم لو كتبوا كلامًا لا يعجب الحكومة!
والجواب:
إن الدستور الجديد كفل حرية الصحافة والطباعة والنشر -وكذلك وسائل الإعلام- لتؤدي رسالتها بحرية واستقلال، بل جعل الرقابة على ما تنشره محظورة حيث نصت المادة (48) على: "حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام مكفولة، وتؤدي رسالتها بحرية واستقلال لخدمة المجتمع والتعبير عن اتجاهات الرأي العام والإسهام في تكوينه وتوجيهه في إطار المبادئ الأساسية للدولة والمجتمع والحفاظ على الحقوق والحريات والواجبات العامة، واحترام حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومقتضيات الأمن القومي؛ ويحظر وقفها أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائي والرقابة على ما تنشره وسائل الإعلام محظورة، ويجوز استثناء أن تفرض عليها رقابة محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة".
ونصت المادة (49) على: "حرية إصدار الصحف وتملكها بجميع أنواعها مكفولة بمجرد الإخطار لكل شخص مصري طبيعي أو اعتباري".
ولا ندري ما الإشكال في هذه النصوص التي أطلقت حرية الصحافة والتعبير ووسائل الإعلام المختلفة ولم تقيده إلا بالمبادئ الأساسية للدولة والمجتمع واحترام الحقوق والواجبات العامة والخاصة ومقتضيات الأمن القومي، وهذا ليس بدعًا من القول في الدستور الجديد فهذه الدساتير السابقة على هذا الدستور تنص على:
أولاً: دستور 1923م (مادة 13):
تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقًا للعادات المرعية في الديار المصرية على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب (المادة بعينها هي المادة 11 في دستور 54 - المادة 43 في دستور 56).
(مادة 14): حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان الإعراب عن فكرة بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون.
(مادة 15): الصحافة حرة في حدود القانون والرقابة على الصحف محظورة، وإنذار الصحف أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور كذلك إلا إذا كان ذلك ضروريًا لوقاية النظام الاجتماعي.
(مادة 17): التعليم حر ما لم يخل بالنظام العام أو يناف الآداب (وهي بعينها المادة 27 في دستور 54 - المادة 48 في دستور 56).
(مادة 20): للمصريين حق الاجتماع في هدوء وسكينة غير حاملين سلاحًا، وليس لأحد من رجال البوليس أن يحضر اجتماعهم ولا حاجة بهم إلي إشعاره، لكن هذا الحكم لا يجري على الاجتماعات العامة فإنها خاضعة لأحكام القانون كما أنه لا يفيد أو يمنع أي تدبير يتخذ لوقاية النظام الاجتماعي.
ثانيًا: "دستور 54":
المادة 11 مطابقة للمادة 13 في دستور 1923م.
المادة 27 مطابقة للمادة 17 في دستور 1923م
- وقالوا: من الغرائب في الدستور أننا لما نزلنا الشارع ضد "حسني مبارك" كان من مطالبنا أن يكون له نائب، والدستور الجديد لا يوجد به منصب نائب رئيس الجمهورية! والأغرب من هذا أن الدستور يشترط أن يكون أعضاء مجلسي الشعب والشورى من المتعلمين، لكن هذا الشرط ليس من ضمن شروط الترشيح للرئاسة!
والجواب:
إن من إنجازات الدستور الجديد أنه قلص من صلاحيات رئيس الجمهورية كما سبق، ومنصب نائب الرئيس لا شك أنه يصب في صالح المؤسسة الرئاسية على حساب غيرها، فلهذا ألغى الدستور الجديد منصب نائب رئيس الجمهورية واعتمد النظام المختلط الذي تتوزع فيه السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء فقط، وجعل رئيس الوزراء يحل محل رئيس الجمهورية في حالة غيابه المؤقت.
وأما اشتراط أن يكون أعضاء مجلسي النواب والشورى متعلمين: فنقول: قد نصت المادة (113) على: "يشكل مجلس النواب من عدد لا يقل عن ثلاثمائة وخمسين عضوًا، ينتخبون بالاقتراع العام السري المباشر. ويشترط في المترشح لعضوية مجلس النواب أن يكون مصريًّا متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، حاصلاً على شهادة إتمام التعليم الأساسي "على الأقل"، وألا تقل سنه يوم فتح باب الترشح عن خمس وعشرين سنة ميلادية. ويبين القانون شروط العضوية الأخرى ونظام الانتخاب وتقسيم الدوائر الانتخابية بما يراعي التمثيل العادل للسكان والمحافظات". ونصت المادة (129) على: "يشترط في المترشح لعضوية مجلس الشورى أن يكون مصريًا متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، حاصلاً على إحدى شهادات التعليم العالي "على الأقل" وألا تقل سنه يوم فتح باب الترشح عن خمس وثلاثين سنة. ويبين القانون شروط العضوية الأخرى وأحكام الانتخاب، وتقسيم الدوائر الانتخابية".