المشهد السياسي
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
والأخطر من هذا كله... أن يتخطى ذلك إلى اختيارات الرئيس، فمن اختاره الرئيس صار خيارًا وحيدًا لا يصلح في البلاد طولاً وعرضًا أحد أن يحل محله! ومِن ثَمَّ تجد أن الكثيرين لا يرون فرقًا بين من يطالب بإعادة النائب العام السابق وبين من يؤيد استبعاده، ولكنه في الوقت نفسه يرى سدًا لذريعة الاحتقان الموجودة في مؤسسة القضاء أنه لا بأس من أن يُعين آخر عن طريق مجلس القضاء الأعلى "هذا مثل عارض والمقام لا يتسع للبسط فيه، ولكن لزم أن ننوه أن مطالبة أحد ما بالاستقالة رغم صلاحه للمنصب طلبًا للإصلاح بين الناس له نماذج شهيرة في الفقه الإسلامي وأن مجلس القضاء الأعلى الذي يقترح أن يتم اختيار النائب العام عن طريقه وفق الدستور الجديد غير نادي القضاة، بل هو مجلس في غاية التعاون مع الرئيس".
وإذا اختار الرئيس لمنصب في غاية الخطورة مَن هو أمين، ولكن قوته في المهمة التي وضع فيه تكاد تكون منعدمة فأغضب هذا الاختيار فئات من الناس واستثمر ذلك من استثمر فنَصح ناصح بإغلاق ذلك الباب والعدول عن ذلك الاختيار؛ فذلك عند البعض رجس من عمل الشيطان! وعلى هذا فقس... ومن يفعل ذلك -من ترك النصح أو النهي عنه- لا يدري أنه بفعله هذا يفتح الباب لئلا يجد الناس مدافعًا عن خبزهم ووقودهم وسائر احتياجاتهم؛ إلا من يخلط تلك المطالب بالمطالبة بالتغريب والعلمنة.
فيا قومنا... انصحوا الرئيس سرًّا وجهرًا، واعلموا أن النصيحة في الأمور العامة هي حق للناس عليكم وهي حق للرئيس عليكم، كما أن الاستماع إليها واجب عليه، وإذ نصحته نصيحة فقال: "أصبتم وأخطأت"؛ ففي هذا رفعة له، وإن جاء في أخرى فأجاب بما يروي الغليل رفعتم بذلك الحرج عنه وعن الناس أجمعين، وقطعتم الطريق على المشككين والمغرضين.
بقي أن أنبه في الجانب الآخر على أمر سبق أن أشرت إليه في مقالتي: "المقارنة بين نظام الإمامة والدولة الدستورية القانونية ذات المرجعية الإسلامية"، وهو أننا وإن كنا نطبق الثانية إلا أننا نطبقها بروح الأولى مما يوجب علينا أن نعترض على ما نراه خطأ في الوقت ذاته الذي نؤيد ونساند وننافح عن الصواب، وهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل سوف نفرد له دراسة خاصة -إن شاء الله-.
2- الرد على فتوى: "قتل المعارضِين!"
يعد اختيار الرئيس "محمد مرسي" لمنصب رئيس الجمهورية في مصر حالة جديدة على الواقع الإسلامي في أن يوجد لدينا رئيس يعلن رغبته في السعي لتطبيق الشريعة في ظل نظام دستوري قانوني، وهو ما جعل البعض يسقط أحكامًا استقاها من كتب السياسة الشرعية متغاضيًا عن الفروق بين ذلك النظام السياسي وبين النظام الدستوري الحالي، فإن الدستور وإن نص على عدم جواز مخالفة الشريعة فسيبقى اختلاف صلاحيات الرئيس بين النظامين، واختلاف شكل وصلاحيات المعارضة، إلى غير ذلك من الأمور.. الدستور النصح أو النهي عنه-نة. باني .
وعدم إدراك هذه الفروق دفعت بعض الشيوخ إلى الإفتاء بتحريم التظاهر ضد الرئيس "مرسي"! مما دفع الرئيس "مرسي" شخصيًّا وجماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة إلى التبرؤ من فتواه، وكأن البعض لم يستفد من الدرس فقال كلامًا فأفتى بجواز قتل بعض رموز "جبهة الإنقاذ" واستدل على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فاقتُلوا الآخِرَ منهُما ) (رواه مسلم) ، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أوْ يُفرِّقَ جماعتكم فَاقْتُلُوهُ ) (رواه مسلم) .
وقبل أن نرد على هذه الفتوى -وحتى لا نقع فيما وقع فيه صاحبها- فإننا نذكر أن: الأزهر قد قرر إحالة صاحب هذه الفتوى إلى المساءلة، وهذا يقتضي أن ننتظر ماذا سيقول فيما نسب إليه، وهل هو ثابت أم تم الحذف منه أو الإضافة؟! ولكننا هنا سوف نرد على هذه الفتوى على النحو الذي انتشرت به من أنها فتوى بقتل بعض رموز "جبهة الإنقاذ"؛ لأنهم يدعون إلى إسقاط النظام عملاً بالحديث المشار إليه.
ومن المعلوم أن الفتوى هي: "إسقاط الحكم الشرعي على الواقع المساوي له"، ومِن ثَمَّ فعند التعرض لها فعلينا أن نبحث في الأمور الآتية:
1- ما حكم الشرع فيمن دعا إلى إسقاط رئيس منتخب لقصور "يدعيه هو بغض النظر هل توافقه أم تخالفه"؟
2- ثم ما حال أولئك المسئول عنهم لنتمكن من إعطائهم الحكم المناسب؟
3- فإذا كان في الأمر عقوبة شرعية ما فهل تم استيفاء شروطها وانتفاء موانعها أم لا؟
4- وإذا تقرر أن إيقاع العقوبات من اختصاص الدولة فهل من المصلحة ذكر استحقاق شخص ما لعقوبة ما على العامة أم يمنع من هذا خشية الفتنة؟
فإذا رجعنا إلى تلك الفتوى وجدنا أنها قد أخلت بذلك كله! من عدة جهات:
أولاً: معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أوْ يُفرِّقَ جماعتكم فَاقْتُلُوهُ ) وقوله: ( فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ): أن هذا فيه الأمر بقتال مَن يقاتل الحاكم المُمكَّن -وليس في قتل آحاد الناس وإن ظلموا وألبوا الناس على الحاكم- فهو من باب قتال المفسدين في الأرض الذين لا يندفع فسادهم إلا بذلك، قال -تعالى-: ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) (المائدة:32) .