شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشة قانون "الصكوك الإسلامية"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ومن أجل النقطة الأولى يجب أن تقوم السلطة التشريعية بالحماية التامة لأصول الدولة.

ومن أجل النقطة الثانية يجب أن يتضمن القانون تنظيمًا دقيقًا لبيع الحكومة لموارد لمدد تالية عن طريق صكوك السلم، وضرورة موافقة البرلمان على الجهة التي سوف توجه إليها عائد هذا البيع.

وهذه الاعتراضات تمثـِّل أخطر اعتراضاتنا على القانون، وأما باقي الاعتراضات فنجملها في الفقرة الآتية.

ثالثًا: أبرز الاعتراضات التي ينتقدها "حزب النور" على المشروع المزمع إصداره من مجلس الشورى (بصورة مجملة):

يمكن إجمال اعتراضاتنا على القانون في النقاط الآتية:

1- القانون لا يحمي أصول الدولة (في صكوك الملكية والإجارة) ولا مواردها (في صكوك السلم) بدرجة كافية -وقد تقدم بيان ذلك-.

2- يوجد في نصوص القانون إجمال شديد في مواطن شديدة الحساسية مما يعني تأجيل حسمها لحين التطبيق في كل واقعة منها على حدة.

أ?- أحكام تداول كل نوع من الصكوك سكت عنها القانون تمامًا، وأحالها على المذكرة التنفيذية مع أنها من التشريع!

ب?- دور الجهة التي ستقوم بتسويق الصكوك وحقوقها والتزاماتها مسكوت عنها في القانون!

ت?- طريقة تصفية (إطفاء) الصكوك في نهاية المدة بالنسبة لكل نوع من الصكوك.

ث?- طريقة التصرف في صندوق الحماية من المخاطر في نهاية المدة.

3- القانون في الجملة منحاز للسلطة التنفيذية، فهي التي تعين الهيئة الشرعية المركزية، وهي التي تعين هيئة الرقابة المالية ثم تختص تلك الأخيرة دون غيرها بتحريك الدعاوى في مخالفات هذا القانون.

ومن أخطر هذه الأمور: أنها تختص وحدها بإصدار اللائحة التنفيذية رغم أن تلك اللائحة التنفيذية وفق الصورة الحالية للقانون "التي يغلب عليها الإجمال" أقرب للتشريع منها للتنفيذ.

4- القانون منحاز في بعض نقاطه للأغنياء، وهذا يتمثل في نقطتين جوهريتين:

الأولى: إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن بيع الصكوك من الضرائب.

وهذه النقطة جاءت تماشيًا مع قانون الأسهم، وهذا من العدل بين الصكوك وبين الأسهم، ولكن ينبغي بعد صدورها أن يُدرس إلغاؤها من القانونين معًا.

الثانية: تحديد سقف عالٍ لإصدار الصكوك "100 مليون جنيهًا" يَحرم صغار المستثمرين من الاستفادة بطريقة الاستثمار الإسلامية المتاحة، وحتى لو قلنا: إنه من الناحية العملية لن يتمكن من الإقدام على الاستفادة من هذا القانون إلا أصحاب المشاريع الكبيرة فلنترك هذا قيدًا طبيعيًّا يفرضه الواقع بدلاً من وضع قيد لا توجد له ضرورة تشريعية.

رابعًا: الموقف من عرْض هذا القانون وغيره على هيئة كبار العلماء:

جاء في المادة الرابعة من الدستور المصري الجديد: "ويُؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية".

وقد استخدمت صيغة المبنى للمجهول "يُؤخذ" فمن هو المخاطب بهذا الأخذ؟

القاعدة الأصولية هنا تقول: إن المطلق يَبقى على إطلاقه ما لم يقيده مقيد، وحيث إن الدستور ينظم العلاقة بين السلطات الثلاث فإن الخطاب هنا يتوجه إليها جميعًا، أنها متى تعرضت لشيء يتعلق بالشريعة أن تأخذ رأي هيئة كبار العلماء وإلا لأصبح فعلها باطلاً من حيث الشكل، أي يبطل حتى ولو صادف أن هيئة كبار العلماء وافقت عليه لاحقًا.

وقد ادعى البعض أن هذا الخطاب موجَّه للمحكمة الدستورية دون غيرها! وهو تقييد بغير مقيد، ثم لنفترض أن هذا الأمر صحيح فهل من الحكمة أن يرسله مجلس الشورى مسبقًا أم يصدر القانون مع علمه بأن هيئة كبار العلماء لها موقف من الصورة الأولى التي عُرضت عليها، ومجلس الشورى يعلم أن هناك من سيطعن على القانون بعدم الدستورية وأن المحكمة الدستورية سوف تخاطب هيئة كبار العلماء، بل إن غالب الظن أن المحكمة الدستورية سوف تلتزم برأي هيئة كبار العلماء وليس فقط أنها سوف تستطلعه.

ونخلص من ذلك أنه:

من الناحية الدستورية: يجب أخذ رأي هيئة كبار العلماء وإن لم يجب الالتزام به.

ومن الناحية السياسية: يجب أخذ رأي هيئة كبار العلماء، ويجب التقيد به وتقديم اجتهاداتها على اجتهادات لجنة الشئون المالية في الشورى ومن وافقها؛ وذلك لاعتبارات:

- ضمان عدم إبطال القانون عبر المحكمة الدستورية لاحقًا.

- ضمان القبول الشعبي على هذا النوع من التمويل الذي ليس له مزية على السندات -بل والأسهم- إلا موافقة الشرع، وكيف يمكن أن يثق المواطنون في موافقته للشرع إذا عُلم أن القانون المعنون "بالصكوك" قد عُرض على "الأزهر" فرفضه؟!

ومهما قيل إنه تمت مراعاة "ملاحظات الأزهر" فإن الناس لن تصدق هذا إلا إذا أعيد عرضه على "الأزهر"؛ فضلاً أن القانون بصورته الحالية لم يراعِ "ملاحظات الأزهر"، بل أبقى على نفس المخاوف!

- يثير البعض هنا لغطًا يتعلق بأن "قضية الصكوك" من المسائل الفقهية الحديثة التي اعتنى بها من احتك بالتمويل الإسلامي، بينما يغلب على "هيئة كبار العلماء" الاهتمام بالفقه التقليدي!

وهي شبهة مردودة، ولو أننا توسعنا فيها سوف نصل إلى عين قول من يقول إننا لن نستطيع أن نضبط معاملات هذا الزمان بالشريعة الإسلامية، وكما رأيتَ في المقدمة أن الصكوك ما هي إلا استبدال "الممول" الذي هو مضارب في عقد المضاربة ومسـتأجر في عقد الإيجار ومشترٍ في عقد السلم، وهكذا... بمجموعة شركاء تمثلهم هيئة اعتبارية، وما عدا ذلك فباقي توصيف العقود على ما هي عليه.

- وعلى أيٍ... فنقترح أن يرسل مجلس الشورى القانون ويكون معه وفد من المؤيدين له يشرحونه لهيئة كبار العلماء ويدافعون عن وجهة نظرهم تجاهه.

- على أننا نسجل هنا أن اعتراض مجمع البحوث الإسلامية في المشروع الذي عرض عليها قد اقتصر على عدم قيامه بحماية أصول الدولة مما يعني قبولهم له من حيث المبدأ، وقضية لزوم عرض ما يتعلق بالشريعة على هيئة كبار العلماء كما قرره الدستور الجديد من القضايا التي يوجه إليها الطعن بصفة عامة زاعمين أنها نوع من "ولاية الفقيه"!

ولا أدري: لماذا ترتفع درجة الحساسية للأمور الشيعية في هذه النقطة ممن تقل "أو تنعدم" عندهم الحساسية من الشيعة في جوانب أكثر خطرًا؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية