شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(الشورى - الشفافية) × (الإفراط في الثقة في القيادة - التبرير)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ثم قال: "لذا فالثقة اطمئنان بيْن الفرد والقيادة، وكذلك بين القيادة والفرد والأفراد والمنهج، بحيث يكون اطمئنانًا قويًّا ثابتًا محكمًا، لا تؤثر فيه عوامل خارجية أو داخلية أو نفسية، فالثقة بالقيادة "على سبيل المثال": تعني اعتبار الأوامر الصادرة عن القيادة في غير معصية قاطعة لا مجال فيها للتردد أو للانتقاص، مع إسداء النصح والتنبيه إلى الصواب، وإضافة لما سبق فإن الفرد في الجماعة لابد وأن يفرض في نفسه الخطأ، فلا يعتبر نفسه معصومًا عن الأخطاء وسوء الفهم والتقدير، وفي الوقت نفسه لابد وأن يفترض الصواب في قيادته في المسائل الاجتهادية المعروضة، فلا يحكم على قراراتها بأنها غير واعية أو ملائمة للحال والواقع، كما هو حال بعض شباب الدعوة الذين ظنوا أنهم بمجرد امتلاكهم القدرة على الكتابة والتعبير أنهم أصبحوا قادرين على فهم الأمور والسياسات أكثر من قادتهم ومسئوليهم الذين سبقوهم بالخبرة والتجربة والرؤية".

وبالطبع نحن نؤيد الكاتب في ضرورة التزام أفراد الجماعة بما تقرره مؤسسات اتخاذ القرار فيها في الأمور الاجتهادية، ولكن المبالغة في الثقة في صواب هذه القرارات "رغم كونها اجتهادية" يمثِّل إشكالية تولد إشكاليات أخرى سوف يأتي ذكرها.

ثم أخذ يعدد أنواع الثقة، فقسَّمها إلى:

1- الثقة بمنهج الجماعة وفكرها: قال: "وتتمثل الثقة في هذا الجانب بالإيمان بأن فكرة الجماعة ليست مبتدعة أو مستحدثة أو مستوردة من الخارج، واليقين بأن الإمام الشهيد "حسن البنا" قد اقتبس هذا المنهج من وحي القرآن وسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والتراث الذي تركه سلفنا الصالح -رحمهم الله-؛ لذا فهي دعوة تتسم بالنقاء والشمول، فهي نقية خالية من شوائب البدع والخرافات وبعيدة كل البعد عن التحريف والمغالاة والتشدد، وفي نفس الوقت فهي أعادت الفهم الشامل للإسلام بأنه دين ودولة، ومصحف وسيف، وعبادة وقيادة وسياسة؛ لذا ونظرًا لما حملته من فكر نيّر مستقيم؛ فقد تعرضت لأشد الابتلاءات والأذى دون أن تعرف اليأس أو الإحباط، وأثبت أصحابها أنهم لا يريدون مناصب دنيوية أو تحقيق مطامع شخصية؛ لذا فما وهنوا لما تعرضوا له من أمور وعراقيل، وما استكانوا لعمليات التضييق والقتل والاعتقال، ولم تأخذهم الدنيا وتحيد بهم عن طريق الحق والهدى".

وإذا لاحظتَ أن الكلام هنا عن أصول وضعها رجل لقي ربه في الأربعين من عمره سوف تدرك حجم الخطر في رفع اجتهادات الأستاذ "حسن البنا" إلى مصاف القطعيات، ولو كان الكلام هنا على أصول تداولها أهل السنة جيلاً بعد جيل وأقروا أنها مما ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لما كان في ذلك مشكلة، ولكن المشكلة أن توصف اجتهادات حركية لشخص مهما بلغ فضله بهذه الأوصاف، وتوضع ضمن ركن "الثقة" من أركان البيعة!

ثم بيَّن النوع الثاني من الثقة:

2- الثقة بالقيادة: قال بشأنها: "وهناك الثقة بقيادة الجماعة فالثقة بالقيادة أساس نجاح أي عمل تنظيمي، وبالتالي تؤدي إلى نجاح الأعمال والمشاريع الدعوية، وتنفيذ المخططات والوصول إلى الأهداف والغايات، فلابد من الثقة بالقيادة تأسيًا واقتداءً بما كان يفعله سلف الأمَّة -رحمهم الله- من الثقة بقيادتهم التي تهدف إلى إقامة الدين ومحاربة الفساد، وجلب كل ما فيه مصلحة للأمة، ودرء المفاسد والمنكرات عنها.

الثقة بالقيادة أساس نجاح أي عمل تنظيمي، وبالتالي تؤدي إلى نجاح الأعمال والمشاريع الدعوية، وتنفيذ المخططات والوصول إلى الأهداف والغايات، وفي هذا الصَّدد يقول الإمام الشهيد -رحمه الله-: والقائد جزء من الدَّعوة، ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غاياتها وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب ( فَأَوْلَى لَهُمْ . طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) (محمد:20-21) .

وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات".

وهذا النوع هو الأكثر ارتباطًا بموضوع تلك المناقشة، ويتضح منه خطورة جمع القائد الدعوي لكل هذه الحقوق مجتمعة.

ثم بيَّن النوع الثالث من الثقة:

3- الثقة بأفراد الجماعة: قال بشأنها: "أما الصنف الثالث فهو الثقة بأفراد الجماعة؛ حيث في المقابل على القيادة أن تعطي ثقتها بأفراد الجماعة وأعضائها، فلا يمكن أن يعطي الأفراد ثقتهم لها دون أن يكون هناك ثقة مقابلة لهم أيضًا، وإذا ساد جو من التشكيك بالأفراد فإن هذا يعني انعدام الثقة داخل الجماعة، وبالتالي ضعف الجماعة واندثارها في المستقبل".

وبهذا العرض لشرح ذلك الركن من أركان البيعة عند جماعة الإخوان يتضح لك أن الجماعة قد عالجتْ ضغط الواقع الذي أضعف الشورى والمؤسسية والشفافية بالمبالغة في مبدأ الثقة، وأن هذا الأمر قد تحول إلى جزء من ثوابت الفكر لدى الجماعة، ولم تخضعه لكي يتواكب مع روح الحرية ومع روح الثورة التي أثرت على قطاع الشباب في كل الاتجاهات تقريبًا.

سادسًا: التبرير بعد الثقة:

المبالغة في مبدأ الثقة ربما يورث جماعة الإخوان قدرًا كبيرًا من دقة التنظيم ووحدة الحركة وسرعتها حيث لا مجال للأخذ والرد بين كوادرها العاملة، ولكنه نفسه يتحول إلى مصدر إزعاج لأفراد الإخوان حينما يحاورون غيرهم من أبناء الحركة الإسلامية أو مِن غيرهم حيث ينبري فرد الإخوان بمقتضى بيعته للدفاع عن مواقف وآراء يكتنفها الغموض أو التناقض في بعض الأحيان!

ومن أبرزها في الآونة الأخيرة:

1- تغير الموقف من "ساويرس" من قائد للثورة المضادة إلى المثال الأوحد حتى الآن لرجال الأعمال الشرفاء الذين تكرمهم الرئاسة وتمنحهم أراضٍ مميزة للدولة لإقامة مشروعات!

2- المد والجذر المتباين في قضية تطهير القضاء.

3- تفاوت تقييم المستشار "بجاتو" من ترزي قوانين "مبارك" إلى الكفاءة النادرة التي تستحق أن توضع في الوزارة!

الصفحة السابقة الصفحة التالية