العالمانية المستبدة في ندوة الكنيسة الإنجيلية حول الدستور!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
6- العجب من حال تلك النخبة مع "دستور1971م" حيث هبوا بعد تنحي "مبارك" في "فبراير 2011م" لكي يرفضوا بكل ما أوتوا من قوة تعديل "دستور1971م" آملين آنذاك أنهم في حال كتابة دستور جديد سوف يحذفون المادة الثانية -"ولا من شاف ولا من دري"- تمامًا كما كانوا يتوهمون في مناقشاتهم تلك؛ فلما سارت الأمور على خلاف ما يهوون ووصلنا إلى مرحلة الاستفتاء على "دستور 2012م" نادوا بإيقاف الاستفتاء والعودة إلى "دستور1971م"! ثم الآن وبعد عزل الرئيس "مرسي" ورغم أن اعتراضات الناس كانت على أداء الرئيس وليس على صلاحياته في الدستور، فإن تزيدت قلت: إنهم كانوا معترضين على صلاحيات الرئيس في الدستور - إذ بهم يحاولون العودة إلى "دستور1971م" بدلاً من "دستور 2012م" مع أن صلاحيات الرئيس في الثاني أقل من الأول!
7- انقلاب المستشارة "تهاني الجبالي" ومن ورائها كل "الإعلام الفلولي" على د."البرادعي"؛ لمجرد تصرفه من منطلق رجل الدولة الذي يجب أن يراعي التوازنات وألا ينحاز إلى المدرسة التي ينتمي إليها "هذا وفق تصورهم في قضية العدول عن إعلان العودة إلى دستور1971م إلى إعلان تجميد دستور 2012م لحين تعديله" يدل على أنهم يفعلون ما نقموه على الدكتور "مرسي" وزيادة!
ولكنه يدل من جهة أخرى على درسين في غاية الأهمية نذكرهما في النقطتين الآتيتين:
8- إذا كنتَ في السلطة فأنت محكوم بتوازنات واقعية كثيرة بخلاف ما لو كنت في المعارضة أو كنت في موقع المناضل الفكري، وهذه التوازنات لا تقتضي أن تتنازل عن منهجك كمنهج تدافع وتنافح عنه، ولكن قد تصل أحيانًا إلى أحوال تقدر فيها الضرورة بقدرها، ورغم أننا كنا ننكر على إخواننا في الإخوان تقديمهم لتنازلاتٍ منهجية كان يلزمهم ألا يقدموها؛ إلا أننا اختلفنا معهم اختلافًا عكسيًّا في المساحة التي كان يتعين على الرئيس "مرسي" أن يتيحها للمعارضة حتى المختلفة معه أيديولوجيًّا.
9- والأهم من ذلك: أنك متى وجدتَ سلطة حاكمة؛ فتوازنات الحكم هي الغالبة عليها بغض النظر عن توجه أفرادها، ولو ترك الأمر لمعظم القادة المدنيين والعسكريين -على حد سواء- بلا توازنات لانحازوا إلى مرجعية الشريعة؛ بحكم كونها المرجعية الطبيعية للشعب المصري، ولكن العالمانيين يجيدون توظيف السياسة الخارجية، والسياحة، وغيرها... كأوراق تدفع رجال الحكم في الاتجاه العالماني.
فكان من العبث أن نخلي الساحة تمامًا من الإسلاميين، ومن أجل ذلك تحمل "حزب النور" مرارة التواجد في مشهد "3 يوليو"؛ لأنه أدرك أن الرئيس كان عاجزًا عن الحكم يوم كانت الداخلية تقف متفرجة على حوادث العنف الصريحة، وكانت الكهرباء تقطع بلا مبرر، والمواد البترولية تظهر ثم تختفي دون سبب ظاهر، ثم استحكم الأمر من قبل "30 يونيو" بأسبوع بما يعني أن المراهنة على موازنات ما بعد الرئيس "مرسي".
10- وهذا الفيديو يؤكد رؤية الحزب ومفاوضاته، وأنه بشهادة الخصوم لم يكن يطلب إلا الحفاظ على هوية الدولة، وهذا يكفي لكي يكف كل منصف عن اتهام الحزب بالتهم الباطلة، لا سيما وأن الحزب رفض المشاركة في الحكومة؛ حتى لا يُظن أن هذا هو ثمن تواجده في المشهد.
11- وبعد أن قررنا أن هذا الفيديو ينفي -بالقطع- التهم التي بثها الشيطان في روع البعض، يبقى أن نقول: هل نجح "حزب النور" فيما راهن عليه أم أن هذا الفيديو يشهد بالعكس؟!
فنقول: إن هذا الفيديو ليس للجنة تعديل الدستور، وإنما هو للخصم الأيديولوجي، وستبقى اللجنة وعينها معلقة على من سوف يستطيع تحريك الناس في الاستفتاء على التعديلات بـ"نعم" أو "لا"، ومقدار نجاحنا يكون بمقدار اصطفافنا حول الهدف الذي رأيناه من ناحية أنه أهم، ومن ناحية أخرى: أنه ممكن؛ بينما راهنت الأحزاب الإسلامية الأخرى على عودة كل شيء... وهو ما رأيناه بعيدًا!
12- وهذه الرؤية رؤية كثير من الرموز مع اختلاف العبارات، فمبادرة د."العوا" ود."البشري" ود."عمارة" تلتقي مع هذه الرؤية مع الفارق أن أصحابها لم يتواجدوا يوم "3 يوليو" وصرَّحوا بأنه انقلاب عسكري "مع ملاحظة أن قضيتنا ليست المصطلح" ثم إنهم بعد ذلك قدَّموا مبادرة للتفاهم مع الوضع الذي أوجده ذلك الانقلاب، وهي النقطة العملية الجوهرية.
13- ومن الغريب أن يصب كثير من إخواننا في الجماعة الإسلامية جام غضبهم على "حزب النور" في حين تؤيد بعض مرجعياتهم هذا التوجه.
ومن هؤلاء: د."ناجح إبراهيم"، والذي كتب مقالاً بعنوان: "الإسلاميون بين خيار الجزائر وخيار أردوغان"، جاء فيه: "الخيار الجزائري (خيار الدم والعنف)، وهذا الخيار اتخذته القوى الإسلامية الجزائرية، وعلى رأسها: جبهة الإنقاذ بعد أن قام الجيش الجزائري بإلغاء نتيجة الانتخابات البرلمانية التي فازت بها جبهة الإنقاذ عام 1992م... وبعد أن أطيح بالرئيس الإصلاحي "الشاذلي بن جديد"، واستمر هذا الصراع الدموي العنيف بين جبهة الإنقاذ وحلفائها مع الجيش والشرطة عشر سنوات كاملة سقط فيها 100 ألف قتيل و180 ألف جريح -تأملوا الأرقام جيدًا- معظمهم من الأبرياء المدنيين، وحشر الإسلاميون حشرًا إلى السجون، وظهرت جماعات التكفير التي استباحت أعراض المسلمين ودماءهم في قرى وجبال الجزائر، وتمت مذابح عديدة للقرويين بأيديهم تارة وبأيدي الجيش الجزائري أخرى، ودارت آلة التعذيب الجهنمية في السجون.
ورفض الإخوان الجزائريون هذا الخيار ممثلين في حركة حماس الجزائرية، وأشبِّه موقفهم بموقف حزب النور الآن في مصر، واتهمتهم جبهة الإنقاذ هناك بالخيانة؛ لأنهم قبلوا بالعملية السياسية بعد انقلاب الجيش الجزائري، وبعد كل الخسائر الفظيعة التي قاربت 1/ 4 مليون قتيل وجريح... ماذا كانت النتيجة؟!
لا الشرعية عادت، ولا الشريعة طُبقت، ولا الدماء حقنت -ولكنها أهدرت!-، ولا الأعراض حُفظت، ولا الدعوة الإسلامية بقيت، ولا الجزائر تطورت، لقد ضاع كل شيء... !" (انتهى) .
بالطبع سوف يقول البعض أن رؤية د."ناجح" غير ملزمة لمجلس شورى الجماعة -وهذا غير صحيح-، ولكن هل يملكون أن يتهموه بما اتهموا به غيره أم أن المسألة فيها تشهي وهوى؟!