موقف د."راغب السرجاني" من أحداث "30 يونيو و3 يوليو"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
أما الأمر الثاني: فإني ألمحت إلى ما أراه مناسبًا في الأحداث عن طريق بعض الإشارات في بعض مقالاتي، كمقال: "الأحزاب أم أحد؟"، ومقال: "العلماء في زمن الفتنة"، ومقال: "عودة مرسي"، ومقال: "إدارة الشعوب"، واللبيب بالإشارة يفهم، وقد فهم معظم قراء المقال مقصدي، ومنهم مَن وجَّه لي الاتهامات والتخوينات والتعليقات السلبية الكثيرة؛ لأنني كنت ضد التيار، ولكني تحملت ذلك، ولم أرد بغية ألا أحدث اضطرابًا في الصف بوجود آراءٍ كثيرة تحيِّر الشباب.
وقد فهم شيخنا الكبير "وجدي غنيم" مرادي، وأخرج بيانًا يرد فيه على مقالي، ولكني آثرت ألا أرد بمقال آخر، حتى لا ننشغل بأنفسنا، ويعلم الله أنني كنت قد جهَّزت ما أقوله ردًا على التعليقات، ولكني تركته لله -عز وجل-، وحفاظًا على العلاقة الطيبة بين المسلمين.
وأما الأمر الثالث فهو: أنني دعمت أصحاب الحق بمقالات كثيرة تثبت لهم أنني أؤيد الدكتور "مرسي" بكل قوة، وضد الانقلاب بكل طاقتي، غير أني أختلف معهم جذريًّا في طريقة التعامل مع الحدث، منها على سبيل المثال: "مقال: رسالتي إلى وزير الدفاع"، ومنها: "ولا تهنوا ولا تحزنوا"، ومنها: "إعلام المسيح الدجال"، ومنها: "نخوة الكافرين"، ومنها: "قلوب الشياطين"، ومنها: "عبادة الأمل"، وسأعلن عن رأيي في الموقف كله لاحقًا في عدة مقالات تفسِّر وجهة نظري بأدلتها الشرعية والتاريخية والواقعية.
وفي النهاية يا إخواني ويا أخواتي: ما أنا إلا رجل من المسلمين، فأنا لست عالمًا كالعلماء الكبار الذين يمتلكون القدرة على الفتوى، وترجيح الرأي الفقهي الأفضل، ولست من صنَّاع القرار، ولا من المستشارين أصلاً في الأمور، إنما أنا مجرد قارئ للسيرة والتاريخ، أرى رأيًا قد يكون مفيدًا أقدمه لأهل القرار، فإن أخذوا به فالحمد لله، وإن تركوه فهم أدرى بما يصلح أحوال الأمة، وهم في النهاية -إن شاء الله- مخلصون مجتهدون، أسأل الله -تعالى- القبول لهم ولي ولعامة المسلمين.
وعمومًا: إن كتب الله لي في الأيام القادمة عمرًا وحرية، فسترون تباعًا هذه المقالات الشارحة لوجهة نظري، وهي تفصِّل ما حدث، وتتوقع ما سيكون، وأنا -والحمد لله- متفائل، وأتوقع أن الفرصة لم تذهب بعد، ولن تذهب أبدًا، وأن العاقبة للمتقين، وأن نصر الله قريب.
وكلمة أخيرة أوجهها لقراء هذه الكلمة: لا تشغلوا أنفسكم بالرد على كل كلمة في هذا المقال، ولو فعلتم فليكن في إطار الأدب المتبادل بين المسلم وأخيه، ولا تحرموا رجلاً من إبداء رأي مخالف لرأيكم قد تكون فيه الفائدة الكبرى وأنت لا تعلمون، ولعل الفائدة تعود على فترة قادمة من حياة الأمة لا ترونها الآن ، ونحن إلى زماننا نستفيد من رؤى ووجهات نظر ابن تيمية وابن حنبل وابن خلدون وغيرهم من علماء المسلمين، بل نستفيد من آراء ذكرت في الكتب ولا نعرف قائليها، لكن الله يعرفهم، ويضيف بها الحسنات إلى موازينهم.
يا إخواني ويا أخواتي: أنا لا أبحث عن رضا جمهور القراء أو رضا الجموع من المسلمين في زماننا أوفي الأزمان القادمة، إنما أبحث عن رضا الله -عز وجل-، وأتقرب إليه بهذه الآراء التي أقدمها، وأتحمل في سبيل ذلك الكلمات الثقيلة التي يكتبها طلاب علم من عمر أولادي، وأوقن أن هذا النوع من الإيذاء يتحول بقدرة الكريم -سبحانه- إلى حسنات في الموازين يوم القيامة، وأسأل الله الهداية والثبات .
اللهم اهدنا إلى سواء الصراط، وارزقنا الحكمة وفصل الخطاب.
( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (البقرة:286) .
وأسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين".
مقال: "الأحزاب أم أحد؟" للدكتور "راغب السرجاني"
"دومًا أنظر إلى السيرة النبوية على أنها نور يهدي في ظلمات الحياة... إننا نحتار كثيرًا، ونضطرب مرارًا، ونختلف في الرؤى والتحليل بشكل متكرر، وهذا ليس عيبًا، إنما هي السُنَّة الماضية التي وضعها الله -عز وجل- في خلقه، قال -تعالى-: ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) (هود:118) .
فعند هذه الحيرة أو الاضطراب أو الاختلاف يجدر بنا أن نعود سريعًا إلى السيرة النبوية فنبحث بإخلاص عن قراره -صلى الله عليه وسلم- في مثل موقفنا، ونتخيل أنه بين أظهرنا أو نفترض بناءً على ما توافر لنا من مصادر حكت لنا قصته -صلى الله عليه وسلم- أنه كان سيفعل كذا... وكذا... ثم نُقـْدم بلا تردد على فعل ما نتوقع أنه كان يفعله، وعندها سنجد الخير كل الخير، وسيشرح الله صدورنا لطرق حل هذه الأزمة، وسينير الله لنا الطريق المظلم، وسنهتدي بعد الحيرة دون قلق أو اضطراب.
وأنا أعلم أن الأمر ليس سهلاً ميسورًا، إنما يحتاج إلى كثرة علم، وإحاطة بأحداث السيرة النبوية وفهم دقيق لها، كما يحتاج إلى دراسة وافية للواقع الذي نعيشه حتى يمكن لنا أن نسقط موقفًا معينًا من مواقف السيرة على ما نمر به من أحداث.
كما أنني أدرك أن كثيرًا من المواقف التي أخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أثناء قصته كانت مع الكفار الذين يصدون عن سبيل الله، بينما تحدث مثل هذه المواقف في زماننا الآن مع مفسدين ومجرمين من المسلمين وليسوا كفارًا، فنحن نختار رد فعل معين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مقاومته للظلم أو في حربه للفساد أو في دفاعه عن الشريعة، ولكن دون أن نسقط أحكام الكفر والإيمان على الطرف الآخر الذي يصد الآن عن سبيل الله، فهذا ميدان آخر له فقهاؤه وعلماؤه، ويحتاج إلى معايير أخرى لسنا بصدد الحديث عنها الآن.