موقف د."راغب السرجاني" من أحداث "30 يونيو و3 يوليو"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
( قلتُ: وهي مسالة في غاية الأهمية، بل ينبغي أن يُشار إلى أن المواجهات قد تكون مع متأولين أو مطالبين بحق دنيوي لهم كما حدث في "30-6"، والإصرار على تصوير المسألة على أنها إيمان وكفر كان أحد أسباب تعقد المشكلة في حين كان السواد الأعظم منهم مطالبًا بإصلاحات سياسية، ومَن ينادي بالعالمانية منهم فدورنا نصيحته؛ مراعاة لما يعتري هذا الأمر من تأويل ولبس، مع الحذر من التكفير والذي يمكن أن تتسارع وتيرته كلما حميت المواجهات، فقد يجد البعض أن التكفير حل يسهِّل عليه المواجهة، وهو منزلق شرعي متى زلت فيه الأقدام عوقب به صاحبه في الدنيا والآخرة وكان سببًا في إراقة الدماء المحرمة، وفي تعثر الدعوة عشرات السنين؛ مما يوجب على أمثال د."راغب" وغيره، أن يبذلوا وسعهم في مواجهته بصراحة وحزم حيث لا يحتمل الأمر في هذا الباب الصمت الذي لزمه د."راغب" في الفترة السابقة كما بيَّن في مقال "أين أنا" ).
أقول هذا الكلام لأنني عندما أصف ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مقاومة المشركين في مكة أو في غزواته الكثيرة بعد ذلك، لا أعني وَصم المفسدين الذين يقاومون أهل الدين ويحاربون الفضيلة والشريعة، لا أعني وصمهم بالكفر، إنما فقط آخذ النور الذي يخرجنا من أزمتنا عندما أشاهد ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما تعرض للأذى من قومه.
ولنأخذ مثالاً واقعيًّا يوضح لنا أن الحركة الإسلامية يمكن لها أن تأخذ مواقف متباينة ومختلفة إذا ما رجعت إلى السنة النبوية وفهمت الفرق بين ردود أفعاله -صلى الله عليه وسلم- حسب الظرف والزمن.
لقد رأينا أعداء الإسلام يحاربون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في "الأحزاب"، ورأيناهم كذلك يحاربونه قبلها بسنتين في "أُحد"، هذا غير المواقع الأخرى الكثيرة التي حدث بينهما فيها صدام.
وقد أخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ردود أفعال مختلفة تمام الاختلاف في كلا الموقفين: "الأحزاب، وأُحد"، بناءً على تقييمه للحادثة التي يمر بها.
في غزوة "الأحزاب": حاصر المشركون المسلمين حصارًا طال مع مرور الوقت حتى وصل شهرًا، وكان الاختيار النبوي هو الثبات، والدفاع عن الخندق، واستمرار الصدام مع توقع النصر أن يأتي بين لحظة وأخرى في الوقت الذي يريده رب العالمين.
أما في غزوة "أحد" : فبعد تغير مسار المعركة، ونزول الرماة من فوق الجبل، وحدوث أخطاء جسيمة من الحركة الإسلامية حدثت المصيبة، وسيطر المشركون على الموقف، وأصيب المسلمون وجُرح قائدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقُتل بعض القادة الكبار، فكانت حسابات الرسول -صلى الله عليه وسلم- مغايرة تمامًا لحساباته التي ستكون بعد ذلك في غزوة "الأحزاب".
لقد قرر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن ينسحب من أرض القتال إلى جبل "أحد"، هو ومَن معه من المؤمنين العظام، أمثال: أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي عبيدة، وطلحة -رضي الله عنهم جميعًا-، وقرر الاختفاء في الجبل، بل وعدم الرد على استفزازات أبي سفيان زعيم المشركين آنذاك.
لقد فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك؛ لأن الثبات في أرض "أُحد" إلى نهاية المطاف يعتبر مفسدة كبيرة؛ لأنه يعني قتل مزيدٍ من المسلمين دون إحداث نكاية في العدو، ولذلك انسحب الرسول العظيم -صلى الله عليه وسلم-؛ ليعلمنا الواقعية في مثل هذا الموقف، وليتجهز بعد علاج الأخطاء لجولة جديدة يكون له فيها النصر -بإذن الله-.
كان هذا هو اختياره -صلى الله عليه وسلم- مع أن هذا الاختيار كان من الممكن أن يتبعه غزو من المشركين للمدينة المنورة الخالية من الجند الآن، وكان من الممكن أن يتبعه قتل وسبي ونهب، وكان من الممكن أن يتبعه أسر لعددٍ كبير من المسلمين تتم المساومة عليهم فيما بعد.
كل هذه سلبيات كان من الممكن أن تحدث، لكن لم يكن في يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آنذاك حل آخر، فاختار ما رآه أحلى الاختيارات، مع أن كل الاختيارات مُرَّة!
ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- اختار الاختيار الأنسب والأصلح؛ فإن الله -عز وجل- حفظ المؤمنين مع أنهم أخطئوا ، فليس من الممكن أن يوجد مؤمنون بلا أخطاء؛ لأنهم من البشر، والبشر -بخلاف الأنبياء- ليسوا بمعصومين، فإذا اختارت الجماعة المؤمنة عند حدوث الخطأ الحل الأصلح في مثل هذا الموقف حفظها الله من كيد أعدائها مهما كان، وهذا ما حدث مع المسلمين في "أُحد"، فقد ألقى الله في روع المشركين أن يعودوا إلى مكة دون تفكير في حصار الجبل الذي يختبئ فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ودون تفكير في غزو المدينة أو التصعيد بشكل أكبر.
( قلتُ: وهذا يرد على مَن يقصِّر في الأخذ بالأسباب الظاهرة أو يخاطر بمن معه دون أخذ بالأسباب الظاهرة اعتمادًا على أن الله نصرَ المؤمنين بغير أسباب ظاهرة في مواطن، وهذا لا يلغي التكليف بالأخذ بها فإن عدموها فقد ينصرهم الله بآية من عنده أو ربما أعطاهم نتائج فوق ما في أيديهم من أسباب إذا جمعوا بيْن الأخذ بالأسباب الظاهرة والتوكل على الله -عز وجل- ).
ثم بدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- في التفتيش عن الأخطاء القلبية التي قادت إلى المصيبة، وقام بالعلاج، فعادت الغلبة مرة ثانية للمسلمين.
ولعله من المهم جدًّا أن ندرك أن انسحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن معناه أنه تخلى عن نصرة الحقِ أو أنه شك في كون الحقِ معه أو مع عدوه، ولكن كل ما في الأمر أنه وجد أن انسحابه الآن سيكون أحفظ للحق بحفاظه على بعض المؤمنين الذين يمكن أن يعيدوا الكرَّة مرة أخرى في المستقبل في ظروف أفضل، فلم يكن الأمر إذن هروبًا من الميدان، ولكن كان تحرُّفًا لقتال، وتحيُّزًا إلى فئة.
ويبقى السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحركة الإسلامية بمنتهى الوضوح والشفافية: هل نحن في الأحزاب فنثبت حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً؟
أم نحن في أحد فننسحب ونُهدِّئ من الأمور، ونتحمل النتائج الصعبة؛ لأننا كنا السبب فيها، ونفتش عن أمراضنا القلبية ونعالجها، ثم نعيد الكرَّة مرة أخرى على منهاج النبوة؟