موقف د."راغب السرجاني" من أحداث "30 يونيو و3 يوليو"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
المسألة في رأيي اجتهادية، وإجابة هذا السؤال هي التي ستحدد المسار، وهذا لا يحتاج إلى علم فقط، بل يحتاج كذلك إلى ورع وتقوى وقدرة على تحمل المسئولية، وشجاعة في اتخاذ القرار المناسب؛ ولو كان شديد المرارة.
ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين".
( قلتُ: لقد بيَّن الدكتور أسباب الانسحاب في "أُحد"، وأشار إلى الثبات في الأحزاب، وإن لم يبين حساباته فيها؛ وهي أن المشركين كانوا يريدون استئصال شأفة الإسلام ولو دخلوا المدينة ما تركوا أحدًا فكان الثبات في الدفاع عن المدينة مع تفاوت القوة هو الخيار الأقل ضررًا لا سيما وقد مَنَّ الله عليهم بحيل دفاعية أَخذوا بها مثل "حفر الخندق"، و"الوقيعة بين اليهود وقريش"، ومع هذا فلما شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتعقد الموقف عرض على الأنصار أن يصالح غطفان على ثلث ثمر المدينة؛ ليفرق جمع المشركين، ولا يقدح في هذا رفض الأنصار له فإنهم اظهروا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- جلدًا طمأنه على ثبات خطته الدفاعية.
وأما فض مهاجمة القوات المحاصرة للمدينة فعجزوا عنه، ومِن ثَمَّ تركوه؛ حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوصى حذيفة -رضي الله عنه- حينما أرسله عينًا عليهم وقد خشي أن يظفر بأحد منهم فيقتله فتستعر الحرب، فقال له: ( اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ ) (رواه مسلم) ، وبالفعل كاد أن يقع ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحذر؛ لولا أن حذيفة -رضي الله عنه- تذكر وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولما أخذ المسلمون بكل سبب من الأسباب الظاهرة والباطنة، ومنها: عدم إزعارهم -رغم أن الحرب قائمة بالفعل-؛ نصرهم الله بجنود من عنده، ولو قدَّر الله غير ذلك لكان من المصائب التي لا حيلة للمسلمين في دفعها فيصبرون ويحتسبون، ولله الحمد والمنة في كل الأحوال ).
مقتطفات من مقال: "العلماء في زمن الفتنة" للدكتور "راغب السرجاني"
"ماذا ينبغي على العلماء في زمن الفتنة؟
إنه ينبغي عليهم بوضوح أن يعلنوا عن رأيهم الذي يرونه صوابًا بناءً على ما درسوه من قواعد الشريعة، وقد جرَّدوا نواياهم لله -عز وجل-، وأجرهم عليه -سبحانه-.
إنَّ هذا الأمر خطير في زمن الفتنة!
فالفتنة بتعريفها أمر يحتار فيه الناس، ولا يدركون -على وجه اليقين الكامل- الصواب من الخطأ، ومِن ثَمَّ تكثر الرؤى وتتباين الآراء، وقد يتحمس كل فريق لرأيه حتى لا يرى رأيًا غيره! وقد يتهور بعض طلبة العلم على مشايخهم وأساتذتهم نتيجة مخالفتهم لرأيهم، أو لاتباعهم رأي عالم آخر يرى أمرًا مغايرًا، مع أن هذه المخالفة العلمية في الرأي أمر طبيعي جدًّا في زمن الفتنة.
ولن يستطيع العالم أبدًا أن يرضي كل الأطراف، ومِن ثَمَّ فعليه أن يقول رأيه مخلصًا، وهو لا يبغي إلا إرضاء رب العالمين وكفى.
وعودة سريعة إلى صفحات التاريخ لمعرفة اختلاف العلماء في زمن الفتنة: فبعد مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- حدثت فتنة كبيرة في الأمة، واختلف علماؤها اختلافًا كبيرًا في آرائهم، ولم يكن الاختلاف في تحديد مَنْ الذي على الحق، ومَنْ الذي على الباطل؟ ولكن كان الاختلاف في كيفية التعامل مع الحدث.
كان الانقلابيون المتمردون من أخبث الناس وأكثرهم خيانة "لم يختلف على ذلك أحد"، وكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- من أعظم الناس وأشرفهم "ولم يختلف على ذلك أحد أيضًا"، ولكن الاختلاف كان في كيفية التعامل مع قاتلي هذا الرجل العظيم مع إدراك الجميع أن الانقلابيين مجرمون خسيسون.
رأى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ومعه عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن يؤخِّر إقامة الحد على الانقلابيين القتلة، بل سمح بوجودهم في جيشه، وذلك لأنه نظر إلى الأمر بشكل واسع، فوجد أن الحدَ الذي سيقام على القتلة الانقلابيين سيقود جموع قبائلهم إلى التمرد على الدولة في بقاع كثيرة مما قد يؤدي إلى انهيار الدولة؛ فقدَّم بقاء الدولة على إقامة الحدِّ عاجلاً، ومِن ثَمَّ قرر تأجيله .
أما عائشة وطلحة والزبير -رضي الله عنهم جميعًا- فقد رأوا تطبيق الحد على القتلة عاجلاً؛ لأنه لا يجوز تعطيل شرع الله، وقد قُتل عثمان -رضي الله عنه- مظلومًا، ولابد من أخذ الحق من قاتليه الآن.
فهاتان رؤيتان مختلفتان تمامًا، مع أن كلا الفريقين يعلم أن الحق كان مع عثمان -رضي الله عنه-، وأن المنقلبين عليه مفسدون مجرمون.
وهناك فريق ثالث من العلماء آنذاك لم يستطع أن يحدد على وجه اليقين أين الصواب في التعامل مع ملف الانقلابيين، واحتاروا: هل ينبغي الصدام معهم الآن كما قرر فريق عائشة وطلحة والزبير ومعاوية -رضي الله عنهم-؟ أم الأفضل تأجيل إقامة الحد وتفويت فرصة الصدام كما رأى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-؟ وكان من هذا الفريق الثالث: عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد -رضي الله عنهم جميعًا-، وهؤلاء قرروا اعتزال الأمر إلى أن تتضح لهم الرؤية.
والآن مع نقطة مهمة جدًّا في الفهم: نحن أمام ثلاثة آراء مختلفة لثلاث فرق من العلماء الكرام، وكلهم مِن المبشرين بالجنة، وممن يَشهد لهم الجميع بالصلاح والتقوى... فما الحل؟! هل يغيِر أحدهم رأيه ليوافق الآخرين؟!
إن هذا -في نظر كل واحد منهم- لا يجوز!
إن كل فريق يرى -مخلصًا- أن الصواب معه، وأنه لا يجوز أن يسير في الاتجاهين الآخرين، ومِن ثَمَّ أعلنها صريحة واضحة، وثبت في اتجاهه الذي اختاره.
حتى الفريق الثالث -وهو فريق المعتزلين للفتنة- فعلوا ذلك؛ لأنهم لم يدركوا أين الحق؟ ولو أدركوا أن الحق مع أحد الفريقين ولم ينصروه ما جاز لهم الاعتزال.
ولاحظ أننا نتكلم عن هذه الآراء وقت حدوث المشكلة لا بعدها؛ لأنه بعد شهور أو سنوات من الحدث قد يغير أحدهم رؤيته بناءً على النتائج التي رآها الجميع بعد ذلك؛ ولأننا أدركنا أن الصواب كان مع التهدئة التي أرادها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، والذي كان ينظر إلى العواقب، ولا يتأثر بالحماسة المفرطة عند المطالبين بحل المشكلة الآن، ولم يكن عاطفيًّا مندفعًا، خاصة أن الجريمة التي تمت "كانت قتل الخليفة وليس مجرد عزله ".