شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لقاء عاصف مع حبيب!

عصام حسنين • السيرة والتاريخ

إذن فكيف وصل نبأ هذا السر الدفين -الذي لا يعرفه أقرب الناس إليَّ ولا أقرب الناس إلى المرشد العام- إلى هذين الضابطين، حتى وجها إليَّ هذا السؤال المحدد بالتاريخ والمكان على سبيل التحدي "بل على سبيل التهكم"؟! إنهما أرادا أن يفجعاني في أعز ما نعتز به، وهو مقدرتنا على حفظ أسرارنا، إنها إشارة واحدة وكلمات وجيزة، أرادا أن يقولا لي: "ابدأ كلامك معنا كما تشاء بعد أن تعلم أن كل أسراركم عندنا"، لقد ضاقت الدنيا في وجهي، واسودت أمام عيني، وكاد يغشي عليَّ من هول المفاجأة وهما يطلقان نحوي هذه القنبلة مبتسمين زيادة في التهكم والتحدي والسخرية، موقف عدو ملك مِن أمرك كل شيء، وأصبحتَ بكل إمكاناتك في قبضة يده أو بيْن فكيه!

وصدق القائل:

احـــذر عــــدوك مــــرة واحذر صديقك ألف مرة

فـلـربما انـقـلب الصديق فـكـان أعـلـم بالـمـضرة

إن وجود "جمال عبد الناصر" في تشكيلات الإخوان وإلمامه بأدق أسرارها جعله على علم بأمضى سلاح فيها، وأعظم رصيد من القوة بها، فوجَّه كل إمكانات ما يملك مِن مقدَّرات الدولة للإحاطة بهذا الرصيد، ووضع أهم ما فيه تحت رقابة فعالة تجعله على علم بأدق تفاصيله وأعمق أسراره، ولكن كيف استطاع أن يصل إلى أسرارنا؟ وأهم من هذا السؤال... سؤال آخر، وهو: كيف وصل إلى هذا السر بالذات الذي كان بيني وبين الأستاذ المرشد في حجرة مغلقة ليس معنا ثالث؟! ولشدة حرص الأستاذ المرشد على سرية الحديث ترك مكتبه وجلس بجانبي على الأريكة المجاورة للمكتب، ومن ناحيتي فأنا أثق في نفسي -والحمد لله- إلى حد أن أسرارًا أقل من هذا السر أهمية يبلغ بي الحرص على كتمانها درجة تجعلني أنساها، ولا تقل ثقتي في هذه الناحية في الأستاذ المرشد عن ثقتي فيها في نفسي، إذن فكيف وصلوا إلى هذا السر؟! لم أجد لهذا السؤال إجابة إلا إجابة واحدة هي أن يكون ذلك عن طريق جهاز من أجهزة التسمع!

إن وقوف أصحاب الدعوات أمام المفاجآت التي لم تكن في حسبانهم مشدوهين جامدين هو نوع من الغفلة والبله، لابد لهم من أن يتصرفوا ويغيروا من خططهم تواؤمًا مع هذه المفاجآت، ولا أقصد من هذا أن يتناول التغيير مبادءهم ولا أهدافهم؛ وإنما أقصد أن يكون التغيير في وسائلهم وأسلوبهم، فإذا وضعت خطتك للقاء عدوك في ساحة القتال ومعلوماتك عنه أنه غير كامل العدة والعتاد، ثم تبين لك في آخر لحظة قبل اللقاء خطأ معلوماتك عنه وأنه كامل العدة والعتاد؛ فمن الخطأ الفادح أن تتمسك بخطئك دون تعديل، وهذا هو ما ألهمته بعد أن أفقت من صدمة المفاجأة، فلقد كنت معدًا نفسي على أساس أني سأتحدث من موقع القوة إلى قوم هم في رهبة مني؛ لأنهم لا يعرفون ما ورائي، ولكنني فوجئت بأن أدق أسراري عندهم، فعليَّ إذن أن أغير أسلوب حديثي معهم.

وقد فعلت إذ قلتُ لهما: دعونا نتكلم فيما جئنا من أجله، إني رأيت الخلاف بيننا وبينكم قد تفاقم أمره مع أننا جميعًا إخوة، وقد علمت أنكم تتهمون لجنة الاتصال التي بيننا وبينكم بأنها مغرضة وليست أمينة على نقل ما يقال في الاتصالات، ولما كنت حريصًا على ألا يأخذ الخلاف هذا الوضع الخطير فقد رأيت أن أقوم أنا بهذا الدور؛ آملاً أن أوفق فيما لم يوفق فيه غيري، وأنا ليس لي من هدف شخصي كما تعلمون، فما رأيكم؟.

قال الرجلان: إننا نرحب بكل ما يقرب بين وجهات النظر.

قلت: أما وقد وافقتما على هذا المبدأ، وعلى أن أقوم بهذه الوساطة؛ فالخطوة التالية هي أن أعرض عليكم مذكرة أعددتها، ولكني آثرت قبل أن أعرضها عليكم أن أعرف مدى استعدادكم للتفاهم، فإلى موعد آخر قريب -إن شاء الله- في بيت الأخ الحاج محمد جودة" انتهى .

قلتُ -عصام حسنين-: ثم قام بإعداد المذكرة في المركز العام، ثم يقول: "سلمتُ المذكرة التي أعددتها للدكتور "خميس" باعتباره نائب المرشد، وطلبت إليه أن يقرأها ويبدي لي رأيه فيها، كما طلبت إليه أن يُطـْلع عليها الإخوة "الروضيين" باعتبارهم المسئولين الفعليين عن الدعوة في غياب المرشد، وقد فعل، وقال لي: إنه يؤيد كل ما جاء فيها، فطلبت إليه عرضها على أعضاء الهيئة التأسيسية في جلسة الهيئة المقرر عقدها في "24 سبتمبر 1954م"، والتي ستعقد بعد أيام قلائل.

لقاء عاصف مع "حبيب":

في صبيحة اليوم التالي حضر إلى المركز العام -حيث كنت أقضي أكثر وقتي فيه- الأخ الأستاذ "عبد القادر عودة"، وكانت تربطني به غير الأخوة العامة صداقة وحب متبادل، وبعد أن صافحني طلب إليَّ أن نجلس معًا جلسة على انفراد، فجلسنا في إحدى حجر المركز العام التي كانت كلها خالية وأغلقنا علينا الباب، ثم سألني عن الدافع الذي دفعني إلى كتابة هذه المذكرة، فقلت له: إن الذي دفعني إلى ذلك هو الآتي:

أولاً: انتقالنا من مركز القوة إلى مركز الضعف بتضييعنا الفرصة بعد خروجنا من المعتقل في "مارس 1954م"، حيث أضعنا الوقت في تبادل التهاني بخروجنا منتصرين في حين استطاع "جمال عبد الناصر" أن ينتهز هذه الفرصة ويعد مظاهرات الحكومة -سواء بالرشوة أو غيرها-؛ مما أحبط كل الجهود وقضى على كل الآمال، فقد أمكنه بذلك تبادل المواقف، فاحتل موقفنا الذي هو مركز القوة، ونقلنا إلى موقعه الذي كان مركز الضعف، وبذلك انتقلنا منذ ذلك اليوم من موقف المهاجِم إلى موقف المدافع، وهذا التغيير في الأسلوب لا يمس أفكارنا ولا أهدافنا؛ ولكنه يتيح لهذه الأهداف وهذه الأفكار الفرصة.

ثانيًا: أن استمرار شحن الإخوان عن طريق منشورات المرشد الملتهبة -وهو بعيد عن مجريات الأحداث- وعن طريق حملات الاستفزاز التي تطفح بها جميع الصحف كل يوم لابد أن ينتهي بكارثة، في الوقت الذي أرى فيه المركز العام خاليًا من الإخوان، فالمرشد غائب خشية أن يغتال، وصفوة الإخوان بيْن معتقل وهارب من السلطة، هذا وضع لا ينبغي السكوت عليه ولا تركه، يزداد كل يوم تفاقمًا دون وضع حد له يتيح لهذه الجموع الضخمة اللاهثة من الإخوان أن تتنفس بحرية، وتدرس الموقف دراسة متأنية مستبصرة قبل أن تقدم على معركة لا يقدِّر أحد مدى ما تنتهي إليه ولا ما تتمخض عنه، لا سيما إخوان الأقاليم الذين لا يعرفون الكثير مما يعرفه إخوان القاهرة من ظروف وتطورات.

الصفحة السابقة الصفحة التالية