لقاء عاصف مع حبيب!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
ثالثًا: أن التقائي بالضابطين "الطحاوي" و"طعيمة" كشف لي عن حقيقةٍ ما كنتُ أتصورها؛ هي أن أدق أسرارنا عندهم بتفاصيلها، فلقد واجهاني بأسرار خطيرة تتصل بي شخصيًّا لا يعرفها إلا المرشد، وأنهم متمكنون منا تمكنًا يُلزمنا أن نعيد النظر في جميع خططنا، ولن نستطيع ذلك إلا إذا عملنا على إيجاد فرصة نتخلص في خلالها من حالة التشنج والثورة والعصبية التي صرنا فريسة لها، وهذا هو ما أسعى إليه.
فلما أنهيت كلامي اتجه إليَّ الأخ الأستاذ "عبد القادر" وقال لي: أطمئنك بأننا لسنا في مركز ضعف؛ بل إننا في مركز قوة وهم في مركز ضعف، وستظهر الأيام ذلك -إن شاء الله-، وسيعلمون أن الإخوان قوة لا تقاوم، وعلى ذلك فلا داعي لهذه المذكرة التي تطلب عرضها على الهيئة التأسيسية ولا لهذه الجهود التي تبذلها!
فقلت له: يا أخي "عبد القادر"، أنتَ صادق فيما تطمئنني به مما يعده الإخوان من قوة، وأنا لا أجهل ما تشير إليه من هذه القوة، ولكن الجديد في الأمر أنني اكتشفت أن القوم -بكل الوسائل التي أتيحت لهم من خزائن الدولة، وولاء بعض الإخوان لهم، ووسائل التسمع الحديثة- استطاعوا أن يعرفوا أسرارنا مما يتصل بهذه القوة، فلا ينبغي لنا بعد ذلك أن نتعامى عن هذه الحقيقة المرة، ونكون كالنعامة التي تظن حين تدفن رأسها في الرمال فلا ترى الصائد أن الصائد لا يراها، أنا لا أطالب بأكثر من أن نعطي لأنفسنا فرصة نتنفس فيها الصعداء، ونعيد فيها ترتيب بيتنا.
ولما يئس الأخ "عبد القادر" -رحمه الله- من استجابتي لأسلوب المناقشة والإقناع لجأ إلى أسلوب آخر كريم، فهو يعرف مكانته في نفسي ومدى ما يربطني به من صداقة وحب، فقال لي: من أجل خاطري وبحق ما بيني وبينك من أخوة وحب وصداقة، أستحلفك بالله إلا عدلت عن هذه المذكرة وعن جهود الوساطة التي تقوم بها؛ فإن هذه المذكرة ستعوق خطة الإخوان، وستكون عقبة في طريقها، ثم قال كلمة أبكتني، هي قوله: إنني على استعداد أن أقبل قدمك!
ولقد أدت هذه الكلمات الأخيرة إلى انفجاري قائلاً: يا أخي عبد القادر، أنت أعز عليَّ من هذا الذي تقول، وآثر عندي من أن ألجئك إلى هذا الأسلوب، إن الموضوع الذي نعالجه ليس موضوعًا شخصيًّا حتى ترجوني فيه، إنه موضوع سيتعلق بألوف الإخوان في الأقاليم، إنه يتعلق بألوف الأسر والنساء والأطفال، إنه يتعلق بدماء هؤلاء الألوف التي ستهدر دون ترو ولا تَبصر ودون إحكام خطط، إن دماء هؤلاء أمانة في أعناقنا نحن الذين اختارونا قادة لهم يتلقون منا دون مناقشة ولا مراجعة... فمن حقهم علينا أن نطلعهم على ما عندنا، وأن نظهرهم على ما جدَّ مما كشفته لنا الظروف أو على الأقل ألا نخاطر بدمائهم ما دام قد جدَّ من الأمور ما يلقي على خططنا ولو بظلال باهتة من الشك؛ لأن هذه الدماء أعز من أن تُهدر دون أن تكون على بينة من الأمر لا يخالطها شائبة من شك.
يا أخي عبد القادر: إنني كنت حريصًا على لقاء الأستاذ المرشد في مخبئه لأطلعه على ما عندي، وأنا موقن أن الرجل -بثقته فيَّ وبما أعرضه عليه من ظروف كشفتها تتصل بأسرار بيني وبينه- سيغير من خطته كما عودني؛ لأنه ليس بالرجل المستبد، ولكن الإخوة الذين يستطيعون ذلك حالوا بيني وبين لقائه؛ فلا أقل من أن أعرض رأيي على الهيئة التأسيسية في أقرب اجتماع لها؛ حتى أكون قد رضيت ضميري، وأعذرت إلى الله، وبرئت من أبرياء ستهدر دماؤهم.
وأقسم لك الله -يا أخي عبد القادر- إنني لن أتراجع عن تقديم هذه المذكرة، ولا عن مواصلة وساطتي، ولو كان في ذلك سفك دمي؛ لأنني إذا لم أفعل فسأظل طول حياتي مؤرق النفس تحت تأنيب ضميري!
وهنا لم يكن بد من إنهاء الجلسة، وخرج كل منا وهو في حالة من الثورة النفسية تكاد تعصف بقلبه، وجلست بعد ذلك إلى نفسي ساعة حتى هدأت العاصفة النفسية التي استبدت بي، وأخذت في مراجعة ما كان من أمر هذه الجلسة العاصفة، وكيف تمت؟ ولمَ تمت؟ ومَن الذي اختار الأستاذ "عبد القادر" ورشحه للقيام بهذا الدور معي، ولمَ اختير هو بالذات دون غيره، وقد وضح أمامي أن الإخوة "الروضيين" هم الذين اختاروا الأخ الأستاذ "عبد القادر" للقيام بهذا الدور، وقد اختاروه دون غيره لما يعرفون من حسن صلتي به أولاً، ولأنه كذلك بعد تحول اتجاهه -إثر أحداث شهر مارس 1954م- كان متوائمًا في أفكاره -رحمه الله- مع أفكارهم.
وينبغي هنا أن أعيد ما سبق لي الإشارة إليه من أن الأستاذ "عبد القادر" -رحمه الله- كان على علو كعبه في العلم، وسمو نفسه في الخُلق، وعمق عقيدته في الإيمان - كان إذا أحب أفرط في الحب، وإذا أبغض أفرط في البغض، وليس من السهل عليه إلزام نفسه بالموقف الوسط الذي حثَّ عليه الحديث النبوي: ( أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ويجب عليَّ أن أقرر هنا قبل أنا أغادر هذه النقطة أنني مع اختلافي في وجهة النظر في تلك الآونة في وسيلة معالجة الموقف الذي كانت تعانيه الدعوة بعد توالي الأحداث المناوئة لها والمواتية لأعدائها - مع اختلافي مع الإخوة "الروضيين" فإنني لم أشك لحظة في إخلاصهم، بل في تفانيهم في عملهم للدعوة، كما لم يتطرق إلى نفسي أثارة من شك في ذلك حتى بعد أن نُصبت المشانق، وسفكت الدماء، ومثل بالجثث، وقد كانوا هم من أوائل من ذاق هذه المرارات وتَجرع هذه الغصص، وعاني أهوال التنكيل؛ أما ظنهم بي واعتقادهم فيَّ فمما لا أدريه ومما لم أكن أحسب له حسابًا؛ فلقد عاصرت هذه الدعوة منذ لم تكن شيئًا مذكورًا، وعملت لها في ذلك العهد كما عملت لها بعد أن صارت أعلى الهيئات صوتًا وأغلظها ساقًا، وبعد أن صارت مجالاً لذوي الأطماع، ووسيلة للبروز والظهور، وما راعيت في عملي لها في كلتا الحالين غير وجه الله، لا أبغي سواه، ولا أحفل بغيره، ممتثلاً أمر الله -تعالى-: ( قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) (الأنعام:91) .