نصرة الإخوان الأولين لقضية الشريعة!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
ولقد انتهز المرشد فرصة حلول ذكرى المولد النبوي في عام 1952م فأقام حفلاً بهذه المناسبة بالمركز العام دعا إليه رجال الثورة، فحضر محمد نجيب، وجمال عبد الناصر، وعدد آخر، كما حضره الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر، وقد ألقي المرشد العام كلمة جامعة ضافية، جاء فيها: "ولسنا نطالب الأخذ بكتاب الله لنشتفي بالعقوبات الصارمة التي سنها الله -تعالى-، بل نطلب الأخذ به كُلاً لا يقبل التجزئة؛ لأنه ما من حكم فيه إلا وهو مترتب على أحكامه الأخرى، ولا تجد عقوبة إلا وقد سدت الذريعة إليها وأسقطت عذر الجاني في جنايتها، وأول ذلك: التعليم وهو واجب على كل مسلم ومسلمة، وحق لهما لا يجوز أن يحرما منه، وعلى ولي الأمر أن يهيئ لهما أسباب تعلم الإسلام وأحكامه وبلوغ دعوته إلى الناس، وهذا فرض عين على كل أحد، ويجب أن تكون مهمة التعليم الأولى وهي تعلم إقامة الوازع النفسي في الناس حتى يكون إقبالهم على طاعة الله والتخلق بالأخلاق الفاضلة مبنيًّا على هذا الوازع، فإذا غاب الوازع عن بعض الناس جاء دور العقوبة.
وقد ذكر الله -تعالى- العقوبات في آيات معدودات ولم يذكرها إلا مرة واحدة، ولكن القرآن مليء بمناجاة النفوس وحضها على الخير والبر والأخلاق الفاضلة، وعلى ولي الأمر كذلك أن يهيئ أسباب العلوم الأخرى التي تحتاج إليها الأمة في شئون حياتها من زراعة وتجارة، وطب وهندسة، وطيران وفنون حرب إلى غير ذلك، وهذا فرض على الكفاية يلزم المسلمين جميعًا، ولا يسقط عنهم إثم تركه؛ إلا حين يتعلم منهم من يسد حاجة الأمة في كل فن، والواجب الثاني على ولي الأمر هو أن يسهر على توفير الأرزاق للناس؛ فإن شريعة الله تقتضي بأن يكون لكل إنسان في الدولة مسلمًا كان أو غير مسلم الحق في منزل يرد عنه حر الصيف وبرد الشتاء، ويمنع عنه الأعداء والمتطفلين، والغذاء الذي لابد منه لحفظ كيانه وصحته، والكساء الذي لابد منه للشتاء والصيف، والعلاج الذي يلزمه إذا مرض.
هذه حقوق لازمة في عنق الدولة، وليست صدقات يأتيها الناس أو لا يأتونها، والسبيل إلى توفيرها لهم العمل، فكل إنسان عليه واجب الحصول على عيشه من طريق العمل الحلال بحسب ما تؤهله له مواهبه، وتهيئه له ظروف حياته، ويجبر على العمل إذا هو قعد عنه، فالإسلام لا يحب القاعدين، فإذا كان عمل العامل لا يكفيه أو لم يجد عملاً أو كان غير قادر على العمل أصلاً فهو في كفالة المسلمين عامة -في كفالة الدولة- تمده بما يحتاج إليه أو نقص من حاجاته الضرورية.
- الزكاة: وسبيل ذلك الزكاة التي يجب على كل مسلم أن يؤديها، ويجب على الحكومة أن تحصلها، وللفقراء حق معلوم فيها لا يجوز بحال من الأحوال أن يُحرموا منه، ولا أن ينتقص شيء منه قبل أن يستوفوا حقوقهم التي ذكرناها، فإذا لم تكفِ الزكاة فقد أصبح على كل من عنده فضل من المسلمين أن يعود به على إخوانه في الإنسانية بما يوفر لهم حاجاتهم، والحاكم مسئول أن يوفر له ذلك، والزكاة تصرف في المكان الذي جمعت فيه، ولا تنقل إلى جهة أخرى إلا إذا استغنى أهل الجهة التي جمعت فيها، وهو أحدث ما أخذ به في معالجة الفقر في الأزمنة الحديثة، أما تنظيم ذلك كله فهو من الأمور التي تخضع لظروف الزمان والمكان.
وهكذا أيها الإخوان، رفع الإسلام الحياة الاجتماعية للناس بالعلم وبلوغ الدعوة وإعطاء الفقير حقه، ويعالج الأمور من أساسها بطريقة عادلة ميسورة، ثم هو يطلق القوى والمواهب لتحصيل العيش كما يريد الإنسان؛ للمسلم أن يجمع من الثروة ما شاء بشرط أن تكون من حلال، وكل واحد من المسلمين له حق في أن يجمع من الثروة ما شاء بشرط أن يكسب ماله من حلال وينفقه في الحلال، فلا يباح لأحد أن يصرف في غير الأوجه التي أحلها الله -تعالى-، فلا خمر ولا ميسر ولا شيء مما تعارف الناس على عده من المباحات، فإذا فعل ذلك وأدى حق الله فيه فإن الإسلام يحمي ماله ويقطع اليد التي تمتد إليه.
- عقوبة السارق: إن عقوبة السرقة التي يرتجف منها الناس عقوبة فيها غاية الرحمة بالناس؛ لأنه لا يصح إنزالها بالسارق إلا إذا استوفى حقوقه التي ذكرناها كلها، ووفر له المجتمع تعليمه ولباسه وطعامه ومسكنه وعلاجه، بل وسد عنه دينه، وهي بعد عقوبة رادعة تمنع البغاة الذين نالوا حقوقهم من الجماعة من أن يفكروا في السرقة، ومن فعل منهم فعليه الجزاء ( جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (المائدة:38) .
- ست مرات: وتاريخ المسلمين الذي كان فيه هذا النوع من الحياة مستقرًا لم تنفذ فيه عقوبة القطع إلا نحو ست مرات، فلما نسي حكام المسلمين أن يهيئوا للناس تلك الحياة الاجتماعية النظيفة الراقية وجدوا أن عقوبة القطع لا تتفق مع أحوال المسلمين فمنعوها! وهم على حق في منعها، ولكنهم كانوا بغاة ظالمين في حرمانهم الناس من حقوقهم في التعليم وضروريات الحياة، وكانوا بذلك مسئولين عن تعطيل حدود الله.
- الربا: إن بعض علماء الإنجليز والألمان نقدوا نظام الفائدة، وردوا إليه الاضطرابات في أحوال العالم الاقتصادية واقترحوا إلغاءه بالتدرج، وهم في ذلك يعودون إلى أصول الأديان من عدم التعامل بالربا وإن كانوا يبنون آراءهم على فكرة تنمية الأعمال الاقتصادية في العالم، وما من شك في أن مقدور العقل الإنساني أن يحل من المعاملات الناجحة في الاقتصاد ما يغني عن الربا.