نصرة الإخوان الأولين لقضية الشريعة!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
(ذكر الأستاذ محمود تحت عنوان: عرف الإنجليز عن ديننا ما لم نعرف 2/293 ما يلي: في خلال الفترة التي أقمتها بديروط وحدي في الفندق أشار علي بعض الأصدقاء أن أودع نقودي في صندوق توفير البريد حفظـًا لها، فذهبت إلي مكتب البريد وكان معاون البريد صديقًا لي وكان شابًا ظريفًا وكان مسيحيًّا، وقلت له إنني أرغب في إيداع ما معي من نقود في صندوق التوفير فسألني: هل تريد استمارة للمسلمين أم استمارة بفوائد؟ فلما سمعت هذا السؤال منه ظننته يمزح معي؛ لأنه يعرف أنني من الإخوان المسلمين فأراد أن يتندر بهذا الأسلوب فقد كنت أعرف أن البريد يخير المتعامل معه بين طريقتين: التعامل بالفوائد والتعامل بغير الفوائد، وكان اعتقادي أن استمارة التعامل بدون فوائد مطبوع عليه "استمارة التعامل بدون فوائد" حيث إن الأخرى مطبوع عليها استمارة للتعامل بفوائد: فقلت للمعاون: دعنا من المزاح وأعطني الاستمارة المطبوع عليها "التعامل بدون فوائد" فرد عليَّ قائلاً: إنك حملت كلامي علي محمل المزاح، إنه ليس مزاحًا وناولني الاستمارة فرأيت مطبوعًا عليها "استمارة للمسلمين"، كان لهذا الحادث العارض في نفسي تأثير عميق ودلالات مؤلمة... وقلت لنفسي إن الذي أسس مصلحة البريد في مصر هم الإنجليز، وهم الذين وضعوا نظمها وأسسها وأساليبها، ولا يزال العمل يدور بهذه المصلحة على نفس النظم والأساليب التي وضعوها، فالإنجليز إذن قد فهموا من ديننا أن المسلم بحكم أنه مسلم لا يجوز له أن يتعامل تعاملاً ماليًّا مع أحد -ولو كان هذا الأحد مصلحة حكومية- بفوائد؛ لأن الفوائد ربًا والربا حرمه الإسلام، وعلى هذا الأساس طبعوا نوعين من الاستمارات نوعًا بدون فوائد وسموه: "استمارة للمسلمين" ونوعًا آخر بفوائد، وفي نظرهم أنه لغير المسلمين، ثم يأتي أكثر المسلمين متنكرين لدينهم متناسين أنفسهم معرضين عن الاستمارات التي أعدت للمسلمين متعاملين بالاستمارات الربوية! لقد عرف الإنجليز عن ديننا ما لم نعرف، وقدرونا، ولكننا احتقرنا أنفسنا!).
- حركة الجيش: أيها الإخوان: إن حركة الجيش قد تمت بنجاح، ويجب أن تستمر بنجاح، ويجب أن يجد الناس في الإخوان المسلمين قومًا يعملون ولا يتكلمون، ويحقون الحق ويبطلون الباطل ولو كره الناس أجمعون، هذا ما اقتطعناه من كلمة المرشد العام أمام رجال الثورة، ولعل القارئ يلاحظ فيها ما أشرنا إليه من قبل أنها كلمة جمعت بين الحث على الأخذ بكتاب الله وبين الإقناع العقلي، الذي لو وجَّه إلى حاكم غير مسلم لتاقت نفسه أن يُسعِد شعبه بمزايا هذا النظام العادل الحكيم، ويذكرنا هذا بقول الحكيم الذي لما عُرض عليه الإسلام سأل عن عدة أمور معينة، فلما أجيب عليها بما جاء به الإسلام قال: "لو لم يكن هذا دينًا لكان في أخلاق الرجال حسنًا" (3/ 75 وما بعدها) .
نصح ممزوج بتأييد:
بعد أسبوع واحد من قيام الثورة صدر بيان من المرشد ونشر في الصحف يوم 2-8-1952م، أجتزئ منه ما لم يرد في الكلمة السابقة: "الآن وقد وفـَّق الله جيش مصر العظيم لهذه الحركة المباركة، وفتح بجهاده المظفر أبواب الأمل في بعث هذه الأمة وإحياء مجدها التليد، وأزال عقبة كانت تصد عن سبيل الله والحق.
وسنة الإخوان المسلمين أن يتقدموا إلى الأمة وإلى أولي الأمر فيها -في مثل هذه المراحل المتميزة من تاريخها- بالرأي يستقونه من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي سوي بين المسلمين وغير المسلمين في حقوقهم وواجباتهم العامة، ولا يفرق بين جنس وجنس، ولا بين لون ولون.
أولاً: التطهير الشامل:
إلا أن أول ما ينبغي الالتفات إليه من ضروب الإصلاح، وما لا تظهر ثمرة العمل إلا به: أن يؤخذ كل من أعان الملك السابق على الشر، ويسر له سبيل الفساد والطغيان بما أخذ به الملك نفسه وما ينبغي أن يؤخذ به؛ فلا يستقيم ميدان العدالة في حماية أعوانه وأدواته آمنين لا تمتد إليهم يد القصاص.
ويستطرد بيان الإخوان فيطالب:
ثانيًا: الإصلاح الخلقي:
1- إعداد جيل جديد عن طريق التربية الدينية والخلقية والوطنية، وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي والمصري، وتوفير التعليم للمواطنين جميعًا، وتدعيم معاهد العلم والجامعات على اختلافها وتزويدها بما تحتاج إليه من المكتبات والمعامل وأدوات البحث حتى تقوم بمصر نهضة علمية جديدة تساهم في بناء نهضتنا الاجتماعية والاقتصادية.
ولا شك أن التشريع مهما أحكمت صياغته واستقامت أهدافه وأصوله لا يبلغ غايته حتى يقوم على تنفيذه الفرد الصالح، الذي لا يتم إعداده إلا عن طريق التربية الدينية؛ إذ تغرس في نفسه من معاني الإنسانية السامية ما يعصمه من اتباع الهوى، ويهديه إلى أن يحب للناس ما يحب لنفسه، فإذا وُلَّيَ أمرًا أو تقلد سلطانًا كان المؤمن بربه الذي لا يزال ولا يتزلف، المستقيم في خلقه الذي لا يتكبر ولا يتغطرس، الرضي في أمانته الذي لا يختلس ولا يرتشي، والذي لا يقصي الفضيلة عن حياته الشخصية أو حياته العامة؛ فهو في بيته القدوة الصالحة، وفي مكتبه المثل الطيب.
2- ومن تمام هذا الباب أن تعمل الحكومة على تحريم ما حرم الله، وإلغاء مظاهر الحياة التي تخالِف ذلك، مثل: القمار، والخمر، ودور اللهو والمراقص، والأقلام والمجلات المثيرة للغرائز الدنية، وإن العاطفة الدينية لا تكفي وحدها لضمان التخلق بأخلاق الإسلام فينبغي أن يقترن غرسها وإنماؤها بمحاسبة الفرد حسابًا دقيقًا على اتخاذ الآداب والأخلاق القرآنية منهاجًا له في حياته الخاصة والعامة.
ثالثًا: الإصلاح الدستوري:
1- إن الفرد الصالح لا تطيب له الحياة في ظل دستور تم وضعه في عهد الاستعمار الانجليزي أولاً، والطغيان السياسي ثانيًا، وقد نشأ عن ذلك وجود ثغرات في نصوص الدستور سمحت بإحداث اضطرابات في حياتنا العامة، واستطاع الاحتلال أن ينفذ منها بين حين وآخر، كما سولت للملك التدخل المستمر وتجاوز حدود المبادئ الدستورية الأساسية، ولقد كان المظهر البارز لهذه المناسبات أن يجئ الدستور منحة من الملك لا نابعًا من إرادة الأمة!