شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الرجوع إلى الحق وإنصاف المخالِفين من صفات العلماء الربانيين

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

- ووصل الحال إلى أن كتب الأستاذ "الراشد" -وهو ليس من أهل مصر ولا من سكانها-، كتابًا عجبًا يتكلم فيه عن الدعوة السلفية وحزب النور، وعن قائدهم الشيخ "برهامي" الذي يزعم أنه تلقى ملايين الدولارات للعمل على إسقاط النظام الإخواني، إلى غير ذلك من الافتراءات التي لا شبهة دليل أو بينة عليها! ولا شك أن فساد هذه الادعاءات يغني عن إفسادها؛ وإلا فإن كل المراقبين والناظرين يعلمون جيدًا، ويشهدون أن الدعوة السلفية ليس لها مصادر مادية إلا بالجهود الذاتية.

- ووصل الحال بالشيخ الكبير "عبد الرحمن عبد الخالق" -غفر الله له ورده إلى الصواب ردًّا جميلاً- أن ذكر في أكثر من بيان الشيخَ " ياسر " بأقذع الأوصاف ورماه بأشنع التهم الباطلة، ووصفه بأنه عراب الانقلاب، وأنه أفتى بقتل المتظاهرين، ومِن عجب أن دعاه الشيخ " ياسر " إلى المباهلة فلم يستجب، ثم كرر الدعوة إليه وكانت المفاجأة الصادمة أنه أيضًا لم يستجب لطلبه! فلا ندري إن كان واثقًا ويتعبد لله بما ذكره من التحذير من الشيخ " ياسر "؛ فلمَ لا يستجيب لمباهلته، وإن كانت الأخرى؛ فلم لا يعتذر عن اتهاماته وإهاناته؟!

- وروَّج البعض -كالشيخ "القرضاوي"- لفرية ذهاب الشيخ إلى جهاز الشئون المعنوية للقوات المسلحة للإفتاء والتحريض على قتل المتظاهرين، رغم أن محترفي التسريبات لم يأتوا بكلمة واحدة -فضلاً عما فوقها من تصوير أو نحوه- تدل على زعمهم هذا، في الوقت الذي ظهر فيه البعض يتكلم بذلك أمام الناس بالصوت والصورة، ومع ذلك لا يزال البعض ينشر ذلك الإفك!

وإذا كان الحال كذلك، وكان هناك مَن يكذب ويزيف ويزور...

وهناك مَن يسمع ويصدِّق ذلك الإفك، بل ويؤكد وينشر...

وهناك مَن يستنكر دفع الباطل والظلم عن المظلوم، ويتهم مَن يذب عن أعراض المسلمين وعلمائهم بالحزبية والعصبية الجاهلية، بل والعبودية لهم أحيانًا! -(هذا في الوقت الذي وصلت به العصبية الحزبية الحقيقية بأمثال هؤلاء إلى درك محاولة طمس جهد العلماء وحذف دروسهم وتاريخهم الدعوي -كما يتصورون بصنيعهم ذلك- حيث قام أحد أكبر المواقع الإسلامية على شبكة الإنترنت في واقعة لا ينتهي منها العجب بحذف دروس ثاني صاحب أكبر صفحة وعدد لدروس ومحاضرات وسلاسل علمية كاملة وهو د." ياسر برهامي"، ولا ندري: هل يرون فيها فسادًا وإفسادًا، وشرًّا وضلالة... فلماذا سعوا إلى وضعها أولاً؟ ولماذا أعادوها ثانيًا بعد ذلك، وهذا يقع في الوقت الذي يعج به الموقع بالكثير من أصحاب الأهواء والأفكار المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة من محاضرات وغيرها، ولم يسعَ أحد إلى الآن إلى حذفها أو حتى تنقيتها! فليس إلا الخلاف السياسي والعصبية والهوى)-.

وهناك مَن يغتر بكل أولئك...

فكان لابد لنا من تلك الوقفة في التواصي بالإنصاف والرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ، ونصرة أهل الحق والذب عنهم، وتوجيه رسالة إلى عامة المسلمين (وخصوصًا أهل العلم منهم).

ولا تجعلنا تهاويل المهولين واتهاماتهم الباطلة بالعصبية والتبعية والعبودية أن نـَفـْرَق من نصرة الحق وأهله؛ فرارًا من أقوالهم وتسمياتهم -التي يضعونها في غير موضعها-.

وإن المقصود ليس مجرد إنصاف رجل من أهل العلم والدعوة إلى الله فحسب، وإنما في المقام الأول الحفاظ على المنهج الذي يمثـِّله هذا العالِم وينافح عنه.

وقد كان السلف -رحمهم الله- يعدون الطعن على أهل السنة والمنافحين عنها من علامات أهل البدع والضلال, بل قد يعدون الرجل من أهل البدع بمجرد طعنه عليهم, قال أبو زرعة -رحمه الله-: "إذا رأيت الكوفي يطعن على سفيان الثوري وزائدة: فلا تشك أنه رافضي, وإذا رأيت الشامي يطعن على مكحول والأوزاعي: فلا تشك أنه ناصبي, وإذا رأيت الخراساني يطعن على عبد الله بن المبارك: فلا تشك أنه مرجئ, واعلم أن هذه الطوائف كلها مجمعة على بغض أحمد بن حنبل؛ لأنه ما من أحد إلا وفي قلبه منه سهم لا برء له" (طبقات الحنابلة) .

- وقال نعيم بن حماد -رحمه الله-: "إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد بن حنبل فاتهمه في دينه, وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير فاتهمه في دينه, وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق بن راهويه فاتهمه في دينه" (تاريخ بغداد) .

- وقال قتيبة بن سعيد -رحمه الله-: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة". وبالمقابل قال الغلاّس -رحمه الله-: "إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل, فاعلم أنه مبتدع".

ولم يكن هذا عصبية للعلماء أو تقديسًا لهم؛ وإلا فلا يزال العلماء وتلامذتهم عبر العصور يخالفون هؤلاء الأئمة كأحمد وغيره في كثير من المسائل ويرون الراجح في خلافها، بل حتى مِن أتباع المذهب نفسه؛ فما كان ذلك إلا لأن هؤلاء رموز للسنة يُقتدى بهم ويُتبعون على المنهج الحق، والإمام أحمد -رحمه الله- صار رمزًا من رموز السنة، ما يحبه إنسان إلا لأنه يحب دينه، ويحب عقيدته، ويحب مذهبه، ويحب صبره، ويحب ما كان عليه، والذي يبغض أحمد إنما يبغضه لدينه ومسلكه ومذهبه، وما كان عليه.

ومن هذا الباب: ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ ).

وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيَّ: أَنْ لا يُحِبَّنِي إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضَنِي إِلا مُنَافِقٌ".

الصفحة السابقة الصفحة التالية