ضبط معنى مبادئ الشريعة بين دستوري (2012م) و(2013م)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثم قال في نهاية الحكم: "وحيث إن الدعوى الموضوعية كانت قد أقيمت في ظل العمل بأحكام القانون رقم 136 سنة 1981م المشار إليه، الصادر بعد تعديل الدستور في 22 مايو سنة 1980م، ويصم النص المطعون فيه بإهدار أحكام المواد 2 ، 7 ، 23، 34 من الدستور".
دلالة الإلزام بمجموع أحكام المحكمة الدستورية:
أن النص على الالتزام بمجموع أحكام المحكمة الدستورية يلزم الجمع بينها، ويجمع جميع فوائدها، فيستفاد من الأحكام التي على شاكلة حكم 85 الآتي:
- لزوم رجوع المشرع إلى أحكام الشريعة.
- يلتزم المشرع بالحكم الصريح إذا وُجد، وبقواعد الاجتهاد في غيره.
- لا يجوز الرجوع لمصدر آخر غير الشريعة.
- يجب تغيير منظومة القوانين في مصر لتكون في إطار القرآن والسنة، وأحكام المجتهدين من الأئمة والعلماء.
كما يفيد حكم (96) وما على شاكلته:
- امتناع الاجتهاد في قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
- بيان قواعد الاجتهاد في غيره.
كما تبين الأحكام الأخرى المتعلقة بالإجماع: أن المحكمة تجعله هو الآخر مما لا تجوز مخالفته، فيكون الاجتهاد مقبولاً في المسائل التي دليلها ظني في الثبوت أو الدلالة أو فيهما معًا؛ ما لم يجمع عليه، وبالنص على مجموع أحكام المحكمة الدستورية مع إيداع حكم أو أكثر من كل نوع منها في المضبطة يكون تفسير المبادئ قد عُبِّر عنه بأفضل ما يكون، ولكن في المقابل ونتيجة حساسيات وضغوط وموازنات، ورفض كل صور التلخيص التي قدمناها لهذه الأحكام "لا سيما من قِبَل الكنيسة"، كان الحل هو ما ذكرنا، وهو رغم طول مسار الإحالة فيه إلا أنها إحالة ملزمة على النحو الآتي:
- توجد مادة في الدستور تؤكد حجية الديباجة.
- والديباجة تؤكد أن التفسير بمجموع أحكام المحكمة الدستورية.
- وهامش الديباجة يبيِّن أن هذه الأحكام موضوعة في مضبطة (الجلسة الختامية).
- ومضبطة الجلسة الختامية فيها هذه الأحكام التي بيناها.
مواد الهوية بين دستور (2012م)، وتعديلات (2013م):
لعله من المفيد في هذه النقطة أن نلخص الكلام على مواد الهوية الأربعة في دستور (2012م)، وبدائلها في تعديل (2013م).
وبيان ذلك كالآتي:
1- المادة الثانية بقيتْ كما هي.
2- المادة (219) حل محلها مجموع أحكام المحكمة الدستورية -كما بينا-.
3- المادة (81) تم الاستغناء عنها بالمادة (227) التي تنص على أن الدستور بديباجته ونصوصه يمثِّل وحدة موضوعية واحدة.
4- مادة مرجعية "الأزهر" تم تغيير صياغتها من "يُؤخذ رأي هيئة كبار العلماء في الأزهر في شئون الشريعة" إلى أن: "الأزهر هو المرجع الأساسي في الشئون الدينية".
وبالرجوع إلى ما كنا نود تقديمه في (2012م) نجد أننا كنا نرغب في أن تكون الصياغة: "يؤخذ برأي هيئة كبار العلماء"، وتم تغييرها بناءً على اعتراض الكنيسة، وإذا حاولنا ترتيب هذه الصياغات الثلاث؛ سنجد أن أقواها هي: "يؤخذ برأي هيئة كبار العلماء" حيث تلزم سلطات الدولة بالرجوع إلى هيئة كبار العلماء، ثم تلزم بالأخذ بما قررته.
وأما صياغة (2012م) فتلزم بالرجوع دون أن تلزم بما قررته، وصياغة (2013م) لا تلزم بالرجوع إلى "الأزهر"، ولكن تلزم بما يقرره متى استند أحد الخصوم إلى رأيه، والذي يمثِّل الأزهر وفق لائحته الداخلية هو: "هيئة كبار العلماء"، ومن هنا تدرك أن ادعاء البعض أن مرجعية الأزهر ليس لها أثر بالصياغة الجديدة هو ادعاء في غير موضعه.
شبهات وجوابها:
1- وهنا يدور سؤال يتردد في هذه المسألة -وفي غيرها-: إذا كانت الصياغة الجديدة مساوية أو أجود؛ فلماذا قَبِل بها الطرف الآخر؟!
ج- في الواقع هذا السؤال غير موضوعي، ومؤداه: غل اليدين عن تحقيق أي إنجاز! لأنه سوف يُعترض عليه بمثل هذا الاعتراض.
والصياغة الجديدة لابد أنها حققت لكل طرف شيئًا مما يريد، والموضوعية أن تقيم ما حصلتَ عليه: هل هو يفي بالغرض المطلوب؟ وإلى أي مدى؟ فمثلاً في "مادة الأزهر": الصياغة الجديدة حققت للمعترضين على الصياغة الأولى جزءًا مما يريدون، وهو عدم وجود جهة تكون من الناحية الإجرائية فوق المحكمة "لا سيما المحكمة الدستورية"، بينما في المقابل أعطت لكلام الأزهر قوة أكبر "متى لجَأ إليه" أحد الخصوم، وحصل على موقفه وأدرجه كدليل؛ اعتمادًا على نص الدستور.
2- موافقة القوى الأخرى سبب كافٍ لرفض الدستور؟
ج- قائل هذا الكلام يتناسى أنه توافق مع "البرادعي"، و"يحيى الجمل"، و"ساويرس" على "وثيقة الأزهر"، ويتناسى أن مجموع الإسلاميين في لجنة (2012م) حرصوا على التوافق وتنازلوا طلبًا له، ولكنهم لم يدركوه في نهاية الأمر، فقد تم العدول عن مطلب تعديل "المادة الثانية" إلى إضافة مادة مفسِّرة، وتم العدول عن الإلزام برأي هيئة كبار العلماء إلى جعله استشاريًّا.
وبعد هذه التنازلات وقَّعت الكنيسة والقوى المدنية على هذه المواد؛ إلا أن الخلاف تجدد بشأن مادة استكمال الرئيس لمدته كما نقلنا ذلك عن موقع "البحيرة أون لاين" في مقال: "موقف الإسلاميين من المادة الثانية بعد ثورة 25 يناير".
3- وثمة سؤال آخر يبدو وجيهًا وهو: أننا نزعم أن بعض البدائل كانت أفضل مما هو موجود في دستور (2012م)، وهذا:
أولاً: يصعب تصوره؛ إذ كيف تحصل بنسبة تمثيل 2% على أفضل مما حصلت عليه مع نسبة تمثيل 70%؟!
ثانيًا: هذا يستوجب أننا في (2012م) قصَّرنا، وحصلنا على أقل مما كان يمكن الحصول عليه "كما ردد ذلك الأستاذ عصام دربالة"، وسوف نجيب على هذه الشبهة مع سائر الشُّبَه الموجهة على موضوع مجموع أحكام المحكمة الدستورية.
والإجابة على الأمر الثاني أن القوى الإسلامية في تأسيسية (2012م) كانت:
1- قوى أعلنت رأيها مرارًا أن "المادة الثانية" كافية وهم الإخوان والجماعة الإسلامية (لا سيما الأستاذ عصام دربالة).
2- قوى طالبتْ بتجويد المادة الثانية وعدد آخر من المواد، وهي "الدعوة السلفية".
3- الأزهر الذي دافع عن بقاء "المادة الثانية" كما هي مع مساندتها بمواد أخرى، مثل: المادة المفسرة، ومادة مرجعية الأزهر.
وكان التيار المدني يستعين بآراء وكتابات الإخوان والجماعة الإسلامية؛ لإثبات أن السلفيين يغالون في مطالبهم (وقد سبق أن أشرت إلى بعض هذه المقالات في مقال: موقف الإسلاميين من المادة الثانية).