عقيدة السلف في الصفات .. شرح المنة (8)
صوت السلف • المنهج السلفي
فعلى سبيل المثال من الأسماء التي استُخرجت بالاشتقاق « المُبْدِئ المعيد » وهذان الاسمان مما اتفق عليه الثلاثة سفيان وجعفر الصادق وأبو زيد اللغوي كما ترى ، وقد نقل جماعات من العلماء من المتقدمين والمتأخرين عن هؤلاء الأئمة هذه الأسماء بما فيها الأسماء المُشتقة دون نكير ، ولم يقل أحد منهم أن الأسماء توقيفية بمعنى أنها لا يجوز فيها الاشتقاق ، وذلك والله أعلم لأن الاشتقاق عندهم لا ينافي التوقيف مادامت الأسماء تدل على الكمال المطلق ، وإنما الذي ينافيه اختراع أسماء لم تَرِدْ ولم يدل عليها فعل ولا صفة كـ « مهندس الكون العظيم » و« الرمضان » و« العلة الأولى » ونحو ذلك .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ بعد بيان أن التعيين للأسماء الواردة في رواية الترمذي مُدْرَجٌ كذلك ـ فيقول : « ولهذا جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما » ، بل هذا شيخ الإسلام يُقِرُ العلماء الذين ذكروا أن من أسماء الله « المغيث والغياث » ، فيقول ـ رحمه الله ـ : « قالوا من أسماء الله تعالى المغيث والغياث وقد جاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة ، قالوا واجتمعت الأمة على ذلك » ا . هـ ، ومعلوم أن هذه الأسماء لم ترد بسند صحيح بلفظ الاسم مطلقاً ، وإنما استخرجها العلماء بالاشتقاق .
وكذلك ابن القيم ـ رحمه الله ـ يذكر أن من أسماء الله تعالى « المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل » ، وإن كان « المنتقم » لم يرد في القرآن مطلقاً ، بل ورد مقيداً بالمجرمين كما قال -تعالى-: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)(السجدة: من الآية22)، وهذه كلها أسماء مشتقة ، فيقول رحمه الله : « السابع عشر : أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره ، وهو غالب الأسماء ، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم ، وهذا يسوغ أن يُدْعى به منفرداً ومقترناً بغيره ، فتقول : يا عزيز ، يا حليم ، يا غفور ، يا رحيم ، وأن يفرد كل اسم ، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع ، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده ، بل مقروناً بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يُفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو ، فهو المعطي المانع ، الضار النافع ، المنتقم العفو ، المعز المذل ، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله ، لأنه يُراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعاً ، ونفعاً وضراً ، وعفواً وانتقاماً ، وأما أن يُثْنَى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض ، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد ، ولذلك لم تجئ مفردة ولم تُطْلَقْ عليه إلا مقترنة فاعلمه ، فلو قلتَ : يا مذل ، يا ضار ، يا مانع ، وأخبرتَ بذلك لم تكن مثنياً عليه ، ولا حامداً له حتى تذكر مقابلها » ا. هـ .
فها هو -رحمه الله- يذكر هذه الأسماء ، وقرنها بأسماء السميع والبصير والقدير والعزيز والحكيم حتى لا يقال إن ابن القيم ـ رحمه الله ـ يقصد أن هذه الأسماء تطلق عليه سبحانه من باب الإخبار .
وكذلك الشيخ حافظ حكمي ـ رحمه الله ـ في كتاب « معارج القبول » يذكر أن هذه الأسماء من أسماء الله الحسنى فيقول -رحمه الله-: واعلم أن من أسماء الله ما لا يُطْلَقُ عليه إلا مقترناً بمقابله فإذا أُطْلِق وحده أوهم نقصاً ، تعالى الله عن ذلك ، فمنها المعطي المانع ، والضار النافع ، والقابض الباسط ، والمعز المذل ، والخافض الرافع ، فلا يُطْلَقُ على الله المانع الضار القابض المذل الخافض كلاً على انفراده ، بل لابد من ازدواجها بمقابلاتها، إذ لم تُطْلَقْ في الوحي إلا كذلك ، ومن ذلك المنتقم لم يأت في القرآن إلا مضافاً إلى «ذو» كقوله -تعالى-: ( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (آل عمران: من الآية4)، أو مقيداً بالمجرمين كقوله -تعالى-: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) (السجدة: من الآية22)أ.هـ . مع ملاحظة أن « القابض الباسط » قد جاء ذِكرهما في حديث ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، صححه الألباني في الصحيحة رقم 1846.
لكن ابن القيم ـ رحمه الله ـ اشتد نكيره على من يشتق من الأفعال المقيدة لا المطلقة ، فيقول ـ رحمه الله ـ : « الثالث : أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيداً أن يُشْتَق له منه اسم مطلق ، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى « المضل الفاتن الماكر » ، تعالى الله عن قوله ، فإن هذه الأسماء لم يُطْلَقْ عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة ، فلا يجوز أن يُسمى بأسمائها المطلقة والله أعلم » ا. هـ
