واجب الوقت (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الخلاصة: الشيعة قد يتسللون مِن خلال بعض الكُتاب العلمانيين، ولْتراجع السنين العشر الماضية: ما الجرائد التي نشرت تحقيق: "أسوأ عشر شخصيات في تاريخ الإسلام" وذكرت أولهم عائشة -رضي الله عنها-! هذا تقرير كان قد نشر في ثلاث جرائد متزامنة تقريبًا سنة .... ، والجرائد أسماؤها معروفة، ورؤساء تحريرها معروفون.
فهذا الحلف الشيعي العلماني غير مستغرب على الإطلاق، على الرغم مِن أن كلاً منهم لو كان منصفًا لكان هذا الحلف أبعد ما يكون، لكن لا يوجد إنصاف لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء، وإنما هي أحلاف مصلحية وقتية.
الخطر الثالث: "خطر محاولة علمنة الإسلام":
محاولة العلمانية المتطرفة تكرار النموذج الغربي في العالم الإسلامي:
أما الخطر الثالث فهو خطر محاولة علمنة الإسلام، فمنذ ثلاثة قرون تقريبًا والعالم الإسلامي يتعرض لهجمة علمانية في غاية الشراسة، هذه الهجمة في بداية الأمر استثمرت خرافات الصوفية لكي تعيد إنتاج نفس السيناريو الذي تم في أوروبا: دين خرافي يأتي أمام العلم فيُهزم، ثم يأتي العلماني ويقول دعوكم مِن الدين وابقوا مع العلم، فيكون إما ترك الدين بالكلية عند فريق منهم، وإما أن يكون داخل جدران الكنيسة لا خارجها عند فريق آخر، فيكون للكنيسة بالداخل أحكامها، والخارج له أحكامه التي يضعونها بأهوائهم، فهذا الانفصال التام هو ما يريد منا العلمانيون أن نصل إليه.
ففي أوروبا قامت معركة بيْن الدين المحرَّف المصادم للعلم وبيْن العلم، فانتصر العلم، وصار الدين حبيس دور العبادة، وقد أراد العلمانيون أن يفعلوا هذا الأمر في بلاد المسلمين مستغلين الخرافات التي كانت منتشرة بين الناس مِن الطواف بالأضرحة والاستشفاء بترابها، وبالفعل كانت تحدث حوادث وجرائم ويأتي العلماني يقول: هذا هو الدين! هو الذي فعل بك هذا! والعلم سوف يعالجك، فانتصروا انتصارًا مرحليًّا مؤقتًا، ثم مَنَّ الله على الأمة بانتشار الدعوة إلى السنة التي تحارب الخرافة وتحارب العلمانية فصارت العلمانية لا تجد مبررًا لوجودها، وصارت غير قادرة على تنفير الناس مِن الشريعة؛ لأن الشريعة -كما رآها الناس- كلها عدل وحكمة، فانسحبت هذه العلمانية المتطرفة مؤقتًا، وصار البديل هو العلمانية المتنكرة بعض الشيء؛ التي لا تبدأ بتخطئة الدين والشريعة ومحاربتهما.
انسحاب العلمانية المتطرفة وتقدُّم العلمانية المغلفة:
العلمانية التي تقول: "الدين أفيون الشعوب" انسحبت، والعلمانية التي تقول الإسلام ليس فيه شريعة، وهو مجرد علاقة بيْن العبد وربه انسحبت كذلك، أو أخذت مساحة صغيرة مِن الناس الذين تستطيع أن تصل إليهم وتخاطبهم بهذا الخطاب، أما عموم الناس الذين يقرأون القرآن وسمعوا قوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) ، فلا تجرؤ الاتجاهات العلمانية على أن تصادم القرآن معهم؛ فالعلماني الآن لا يعارض العقيدة ولا الشريعة مِن حيث المبدأ، ولكن يطالب بتحريفها مِن خلال أبوابٍ الأصلُ أنها صحيحة كتغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان بضوابطه -وهذا صحيح-، وتجديد الدين بضوابطه -وهذا أيضًا صحيح-؛ بمعنى تنقية الدين وإزالة ما علق به مِن بدع، وليس إدخال في الدين ما ليس منه مما يخالفه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، فهذا المجدِّد لا يأتي ليُدخِلَ في الدين ما ليس منه، بل يأتي لينقِّي ويحذف ما ألصقه الناس بالدين مِن بدع، وللأسف بعض الناس يستعمل هذا اللفظ "لفظ التجديد" لإضافة أشياء مخالفة للدين!
فإذا تكلم أحد عن "تجديد الدين"، فمن الخطأ أن تتهمه بالتلاعب أو تعارضه إجمالاً، كما أن مِن الخطأ توافقه إجمالاً بغير تفصيل، بل عليك أن تفصِّل القضية وتوضحها، فإذا كان مَن ينادي بتجديد الدين يقصد أن نراجع ما به مِن بدع: كالتكفير والتشيُّع وبدع الصوفية، وما علق به مِن مفاهيم مغلوطة؛ فهذا حسن ومطلوب، بل هو واجب، وإذا كان يعني تغيُّر الفتوى بتغير الزمان والمكان، ونراجع الفتاوى التي قيلت في واقع مختلف، فنراجعها بمقتضى الأحكام الشرعية الثابتة على الواقع الجديد فهذا أيضًا حسن، وإذا كان يقصد أن نتلاعب في الأحكام، فهذا تحريف وتبديل، وبهذا التفصيل تكون إجابتك فيها نصيحة للأمة، وفيها إغلاق لباب الفتن.
الخطر الرابع: "خطر الإلحاد":
الخطر الرابع في ترتيب كلامنا هو الإلحاد، ولا نريد أن ندفن رءوسنا تحت الرمال، وفي نفس الوقت لا نريد أن نهول مِن الأمر، وقد ذكرنا في المرة السابقة أن هذه أمراض، وتحتاج علاج.
الإلحاد يشبه مرض كانت نسبته واحد في المليون ثم وجدناه فجأة قد أصبح واحد في الألف، فباعتبار أنه تضاعف تقول الخطر يزيد، ولكن في ذات الوقت نسبته مازالت محدودة جدًّا، فلا يقل لك أحد: إن الإلحاد ملأ السهل والوادي؛ لذا لا بد أن يكون الرد على قدره، لكن يحتاج إلى رد بلا شك.
ولما انسحبت العلمانية وتركت مكانها محاولة تحريف الدين وتبديله هذا مِن جهة، ومِن جهة أخرى مَن يؤمن بالقرآن لا يقبل قول مَن يقول: "الدين علاقة خاصة بيْن العبد وربه"؛ لأن القرآن يقول: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )، وأطول آية في القرآن هي آية الدَّيْن، والقرآن فيه أحكام وحدود، فلما يئسوا مِن قبول المسلمين للعلمانية بكل أشكالها، صار الحل عندهم مِن البداية أن يطلقوا علينا كتائب الإلحاد عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، وصار مِن السهل أن يوجد شخص في إسرائيل أو غيرها يسمِّي نفسه محمدًا، ويدعى أنه كان مسلمًا وألحد، أو هناك نماذج حقيقية لمن وقع في الإلحاد وينتشرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالأمر خطر بدرجة تقتضي أن أي أحد يقول إنه يريد أن يساهِم بدور في نهضة الأمة وعلاج الأمراض لا بد أن يقوم بدراسة شبهات الملاحدة والرد عليها.