شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أصول الفكر القطبي "كفر الحكام - جاهلية المجتمعات - مفاصلة المجتمعات - اللجوء للعنف بدعوى الردع!"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الثاني: يطلق عليهم الباحثون وصف "قطبيين"، وهؤلاء منهم مَن على نهج "حسن البنا" في الأربعينيات، ومنهم مَن سبق له الانضمام للتنظيم الخاص، ومنهم من على نهج "سيد قطب"، ومنهم مَن يأخذ ملامح من أحدهما، وملامح من الآخر؛ وهذا مما يجعل قطبيي جماعة الإخوان مختلفين عن التيار القطبي الذي انشق عنها بصفة كاملة "وإن قرَّبت بينهما الظروف أحيانًا، وفي هذه الأحيان غالبًا ما يدفع "التيار السلمي الإصلاحي البنَّاوى" ثمن هذا التقارب، بل ويدفع الوطن كله ثمنا باهظًا لذلك".

لماذا أعدموني... ؟! "سيد قطب" يلخِّص عناصر فكره، وكيف تكون:

تمثـِّل الشهادة التي كتبها سيد قطب للنيابة في قضية "تنظيم 65" ملخصًا لفكر الرجل في آخر مرحلة من حياته، وهي الشهادة التي تم نشرها تحت عنوان: "لماذا أعدموني؟!"، ولصراحة ما فيها من أفكار حاول البعض التشكيك في نسبتها لسيد قطب، ولكن بشهادة كثير مِن معاصريه أن النسخة الخطية التي اطلعوا عليها عند الناشر كانت بخط الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-، كما حاول البعض التشكيك في مصداقيتها بدعوى أنها كتبت تحت الإكراه، والذي يقرأها وما فيها من أسلوب أدبي وإسهاب وشرح وتعليل يتأكد أنها تعبِّر عن إرادة كاتبها.

وأهم مِن هذا كله: أنها تمثل الآن منهجًا متبعًا عند كثير من الجماعات المعروفة باسم "السلفية الجهادية"، كما أن الواقع العملي يبين تبني "الجبهة القطبية" -المسماة بالجبهة السلفية!- مع القيادات القطبية في الإخوان لهذه الأفكار؛ مما يؤكد ضرورة التعامل معها بجدية.

ومِن المواطن التي تحدث فيها بصورة تجمع تقريبًا جميع خصائص فكره، قوله: "وبعد مراجعة ودراسة طويلة لحركة الإخوان المسلمين، ومقارنتها بالحركة الإسلامية الأولى للإسلام؛ أصبح واضحًا في تفكيري -وفي تكفيره كذلك!- أن الحركة الإسلامية اليوم تواجِه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام أول مرة: مِن ناحية الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية، والبُعد عن القيم والأخلاق الإسلامية -وليس فقط البعد عن النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية-، وفي الوقت نفسه توجد معسكرات صهيونية، وصليبية استعمارية قوية تحارب كل محاولة للدعوة الإسلامية، وتعمل على تدميرها عن طريق الأنظمة والأجهزة المحلية بتدبير الدسائس، والتوجيهات المؤدية لهذا الغرض، ذلك بينما الحركات الإسلامية تشغل نفسها في أحيان كثيرة بالاستغراق في الحركات السياسية المحدودة المحلية، كمحاربة معاهدة أو اتفاقية، وكمحاربة حزب أو تأليب خصم في الانتخابات عليه.

كما أنها تشغل نفسها بمطالبة الحكومات بتطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية، بينما المجتمعات ذاتها بجملتها قد بعدت عن فهم مدلول العقيدة الإسلامية والغيرة عليها، وعن الأخلاق الإسلامية، ولا بد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة، وهي: إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية مَن يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة، تربية إسلامية صحيحة، وعدم إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية، وعدم محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي؛ لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تحكم به.

وفي الوقت نفسه، ومع المضي في برنامج تربوي كهذا، لا بد من حماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج، وتدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها، وتشريد بيوتهم وأطفالهم تحت تأثير مخططات ودسائس معادية، كالذي حدث للإخوان سنة 1948م، ثم سنة 1954م، وسنة 1957م، وكالذي نسمع ونقرأ عنه مما يحدث للجماعات الأخرى: كالجماعة الإسلامية في باكستان، وهو يسير على نفس الخطة، وينشأ عن نفس المخططات والدسائس العالمية.

وهذه الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريبًا فدائيًّا بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق... هذه المجموعات لا تبدأ اعتداءً، ولا محاولة لقلب نظام الحكم، ولا مشاركة في الأحداث السياسية المحلية، وما دامت الحركة آمنة ومستقرة في طريق التعليم والتفهيم، والتربية والتقويم، وما دامت الدعوة ممكنة بغير مصادرة لها بالقوة، وبغير تدمير لها بالقوة، وبغير تعذيب وتشريد، وتذبيح وتقتيل - فإن هذه المجموعات لا تتدخل في الأحداث الجارية، ولكنها تتدخل عند الاعتداء على الحركة والدعوة والجماعة؛ لرد الاعتداء، وضرب القوة المعتدية بالقدر الذي يسمح للحركة أن تستمر في طريقها!".

ويتضح مِن ذلك:

1- أن "سيد قطب" يرى أن حال الأمة "الآن" كحالة المجتمعات عند بداية دعوة الرسل!

2- أن دور الحكام في رأيه هو تنفيذ مخططات الغرب في حرب الإسلام "هكذا بالعموم وبلا تفصيل ولا بينة!"، وهو في هذا الباب ينطلق مِن منطلق آخر، وهو أشبه بالحتميات الاشتراكية في أن الحاكم ومِن حوله الطبقة الحاكمة ككل لا بد أن يعادوا الدعوة، وأن الضعفاء يترددون ثم يحدث التمايز؛ فينضم بعضهم إلى معسكر الإيمان والبعض الآخر إلى معسكر الملأ، ثم يأتي النصر من السماء! -"في تواكلية عجيبة ترقى إلى أن تُجعل أصلاً مِن أصول فكر سيد قطب أو -على الأقل- سمة في غاية الظهور"-.

يقول "سيد قطب" في تفسير "سورة الأعراف" تعليقًا على قصة "شعيب" -عليه السلام- مع قومه: "ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضًا، وأنه لا يجديهم فتيلاً أن يتقوها ويتجنبوها؛ فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية، ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم الله منها، وقد نجاهم الله منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت، ودانت بالعبودية لله وحده... فلا مفر مِن خوض المعركة، والصبر عليها، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة فيها، وأن يقولوا مع شعيب: ( عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) (الأعراف:89) ، ثم تجري سنة الله بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ".

3- أنه وفق هذه الرؤى لا يرى جدوى العمل الدعوي، ولا الإصلاح السياسي، ولكنه يرى العمل التربوي الخاص "والخاص جدًّا" مع "النخبة المؤمنة!".

الصفحة السابقة الصفحة التالية