البنا يقول: "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!" عن قاتلي صاحب مذبحة "كوبري عباس"؛ فهل مِن مقتدٍ به؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
يهمنا منها الثالث حيث قال: "الخط الثالث: "قطع الصلة بينه وبين الإخوان". ويتدرج تحت هذا الخط العريض الخطوط التالية:
1- أن يفقد الإخوان لا سيما الشباب منهم قيادتهم، فيندفعوا بحكم حماسهم وبتأثير أعمال الاستفزاز التي تقوم بها الحكومة ضدهم إلى ارتكاب أخطاء وأعمال انتقامية تدينهم أمام الرأي العام، وتزيد مِن تمكن الحكومة منهم، وتشديد قبضتها عليهم.
2- كان في ذهنهم احتمال كبير لقيام هذا الشباب باغتيال النقراشي باشا؛ مما يزيد نار العداء تأججًا بيْن السعديين ومِن ورائهم الملك، وبيْن الإخوان؛ مما يدفع السعديين إلى الانتقام".
وقد أكَّد لنا الأستاذ "محمود عبد الحليم" أن الخاصة والعامة توقعوا أن يؤدي هذا القرار إلى اغتيال "النقراشي" فقال: "شاع على ألسنة الخاصة والعامة أن هذا التحدي البالغ العنف لا بد أن تكون حياة النقراشي ثمنًا له!".
ولا أدري: مِن أين شاع هذا التوقع، والإخوان لم تكن تورطت في عنفٍ مِن هذا النوع؟! لا سيما وأن الجماعة قد تبرأت مِن مقتل القاضى "الخازندار".
ولكننا لا نريد أن نتوقف كثيرًا عند هذه النقطة، كما لا نريد أن نتوقف عند أن الإخوان ابتلعوا الطعم بكل سهولة ومشوا على القضيب الذي رسمه لهم أعداؤهم بدقة وأمان منقطعي النظير!
ولكن العجيب ألا يعض مَن طالت به حياة -كأمثال الأستاذ محمود عبد الحليم- أصابع الندم على أن الجماعة حوت في صفوفها مثل هؤلاء المتهورين!
والعجيب -أيضًا- أن الأستاذ "محمود عبد الحليم" كرر أن صلف الرجل هو السبب وأنه جنى على نفسه، ولم يحدثنا عن تهور رجال دعوتهم الذين لم يجنوا على أنفسهم فحسب، وإنما جنوا على الدعوة الإسلامية ككل!
فتأمل بعض تلك المواطن مِن كلامه على تلك الواقعة:
قال: "ننقل فيما يلي نص الأمر العسكري الهمجي الذي أصدره النقراشي باشا للقضاء على أعظم هيئة نافعة في تاريخ مصر، فكان كالطفل الذي أوقد النار في بيتهم وهو يلعب؛ فأتت عليه وعلى أبيه وأمه وأسرته!".
وقال: "ونحن نقول: إن هذا الرجل قد ذهب ضحية صلفه وحقده، وضيق أفقه، واستبداده برأيه واستسلامه للغاصب المستعمر، وتأليهه لمَلِكِه الغارق في شهواته".
حكومة "إبراهيم عبد الهادي" واستمرار المفاوضات معه:
عقب اغتيال "النقراشي" خلفه "إبراهيم عبد الهادي"، وبالطبع رآه الإخوان في ذلك الزمان امتدادًا لصاحبه، كما رآه مؤرخوهم كذلك، فقال فيه الأستاذ "محمود عبد الحليم": "جاء ومعه تفويض إلهي مِن إلهه فاروق بأن يفعل ما يشاء، ولن يسأل عما يفعل!". ( لاحظ أن هذه الألفاظ يمكن أن تقود إلى التكفير إن لم تكن تكفيرًا صريحًا، مع أن البنا كان يفاوِض ذلك الرجل للخروج مِن الأزمة ).
المهم أن التفاوضَ قاد الأستاذ "حسن البنا" إلى أن يصدر بيانًا بعنوان: "هذا بيان للناس" أثنى فيه على "النقراشي"، واستنكر قتله -"نص البيان موجود أسفل المقالة"-.
وفي رأيي أن هذه هي الثغرة الرئيسية التي تجعل هذا الموطن مِن تاريخ الأستاذ "حسن البنا" ليس بموضع قدوة عند الإخوان، مع شدة تمسكهم بمواقف المؤسس، وهو أن هذا "الثناء" الذي يكاد يُجمِع مؤرخو الجماعة على أنه نوع مِن "التقية" قد جعل البيان "ذاته" يفسَّر عندهم على أنه كذلك.
قضية محاولة نسف محكمة الاستئناف:
وبعد بيان: "هذا بيانٌ للناس"، وبينما البنا ينتظِر الانفراجة حدث حادثٌ ثالث، وهو محاولة نسف محكمة الاستئناف.
وكعادته -وعادة كل مؤرخي الإخوان- تحدث الأستاذ "محمود عبد الحليم" عن هذا الحادث بلغة أقرب إلى التبرير، فقال: "خُيِّل إلى شاب ممن ينتسبون إلى الإخوان -الذين عزلتهم الحكومة الغاشمة عن قيادة ترشدهم وتحسن توجيههم- خيل إليه أن إنقاذ إخوانه الذين سيموا العذاب في هذا التحقيق لا يكون إلا بنسف المحكمة التي أجري في حجراتها هذا التحقيق، وحفظ في خزانتها أوراقه... وناهيك بعقلية شاب في العشرين، فاقد الأعصاب لفظاعة ما تتبعه الحكومة مِن أساليب القهر والاستفزاز، ويجد نفسه وحيدًا؛ حيث لا يبيح أمر الحلِّ أن يجتمع مع أي آخر مِن إخوانه مطاردًا... فهل يتفتق ذهنه إلا على أفكار خاطئة؟!".
وبعد هذه الحادثة اضطر الأستاذ "حسن البنا" أن يصدر بيانًا أصرح في الإدانة للعنف مِن الذي سبق، وعنون له بعنوان: "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين" -نص البيان موجود أسفل المقالة-.
ويبدو أن الإخوان قد حملوا هذا البيان هو الآخر على "التقية" حيث لم نعلم لهم استنكارًا لأحداث العنف بهذا ولا بقريب منه، مع أن ثمة قرينة أن الأستاذ "حسن البنا" عنى ما قال في هذا البيان؛ لأنه أسرَّ به للواء "صالح حرب باشا" رئيس جمعية الشبان المسلمين في ذلك الوقت، وقد ذكر اللواء صالح ذلك في خطاب له في عيد الجهاد الموافق "15-11-1949م"، ونقله الأستاذ "محمود عبد الحليم" وجاء فيه: "ولكن لسوء الطالع لم يمضِ يومان علي صدور البيان -يعني بيان: "هذا بيان للناس"- حتى وقع حادث الشروع في نسف محكمة الاستئناف، فجاءني الشيخ في حالة مِن الجزع والفزع لم يسبق أن رأيته عليها، وقد عقد لسانه، وجف ريقه، وملكه ألم كاد يفقده صوابه.
وأنا أقسم بعد أن شاهدت الشيخ المرشد على تلك الحال إنه مستحيل على مثله أن يدعو إلى الإجرام أو يأمر به أو يشارك فيه، وظللتُ وقتًا طويلاً أهدئ مِن روعه حتى سكن قليلاً، واستطاع الكلام، فقال: أرأيت هذا المفتون، ماذا كان ينوي أن يفعل؟! والله ما هذا الشقي مسلمًا ولا مِن الإخوان... ! ولما خُوطب الشيخ مِن الجهات الرسمية في هذا الحادث تبرأ مِن هذا الشاب، واستنكر بكل شدة فعلته، وأظهر استعداده لأن ينشر بيانًا آخر يذيع فيه أن هذا المفتون وأمثاله ليسوا مسلمين" اهـ .
وقد كان، وأصدر الأستاذ "حسن البنا" بيان: "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!"، وهي درجة عالية مِن الإنكار، ولا ندري: هل يعني ما قال؟ أم هي مجرد مبالغة؟ وإلا فالصحيح أن الخوارج مِن شر أهل البدع.
وسيظل السؤال حائرًا...
إذا كان هذا قول "البنا" فيمن اغتال مَن مكَّن للإنجليز واليهود، وأطلق المدافع على الطلاب؛ فلماذا لا يقتدي به أتباعه حتى الحمائم منهم في الأزمة الراهنة؟!
وسؤال آخر: