شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تحليل نتائج "حزب النور" في المرحلة الأولى مِن انتخابات 2015م

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وأما الاعتراض الحقيقي فهو على الحزب الذي يدفع أموالاً لأعضاء مستقلين مِن النوعية التي تتقن شراء الأصوات، ثم يحشد لهم حشدًا طائفيًّا، ويوفـِّر لها صخبًا إعلاميًا يلمعهم؛ فيقلب ممارساتهم الاحتكارية مشاريعَ خيريةً، واستنجادهم بالغرب توسعًا في العلاقات الدولية، والمشاريع الطفيلية قلاعًا وحصونًا اقتصادية في ذات الوقت الذي يرهب خصومها، ويكيل لهم التهم وينسج حولهم الأكاذيب ويرميهم بكل داء هو فيه وينسل، فهذه النوعية مِن الأحزاب ترتكب كل الموبقات السياسية، وتستطيع بهذه الطريقة أن تستحوذ على عددٍ كبير مِن المقاعد، وإما أن يتم مواجهة هذه الموبقات قضائيًّا وسياسيًّا ومجتمعيًّا، وإما أن تعجل مثل هذه الأحزاب بفساد في الحياة السياسية بدت أولى مظاهره في حالة الإعراض التي شاهدها الجميع مِن قطاع لا يُستهان به مِن الناخبين عن الانتخابات.

بل لا أكون مبالغًا إذا قلتُ: إن هذه القوى تعمدت أن تلمع خيار المقاطعة في بداية العملية الانتخابية على أساس أن المقاطعة تقلل مِن الحاجة إلى شراء المزيد مِن الأصوات "وبالطبع هذه العقليات التي تتقن فن تزاوج المال بالسياسة تنفق ببذخ، ولكنها "لا تضع قرشًا ولا -سنتًا- في غير موضعه!".

في النهاية: أقتبس هتافًا هتف به "أنصار النور" احتفالاً بفوز مرشحيهم في إحدى الدوائر يلخـِّص نظرتهم إلى طريقة نجاحهم وطريقة نجاح كثير مِن منافسيهم، حيث كانوا يهتفون: "الشمسية والفانوس، ونجحنا مِن غير فلوس".

رابعًا: لماذا خاض حزب النور الانتخابات في ظل هذا القانون؟ ولماذا أمَّل الفوز؟

اعترض حزب النور على القانون -في حينه- كما اعترضت عليه معظم الأحزاب السياسية، وقد دعت بعض هذه الأحزاب إلى إعلان الانسحاب مِن الانتخابات في ظل إصرار الرئيس السابق "عدلي منصور" على هذا القانون، ولكن حزب النور فضـَّل الاستمرار لإنجاز خارطة الطريق، وإدراكًا منه أن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية مرتبطة بوجود البرلمان، وأن كثيرًا مِن الاتفاقيات الاقتصادية التي يمكن أن تساهم في رفع المعاناة عن الشعب المصري مرهونة بوجود برلمان يقرها، وفي ذات الوقت ظن قيادات الحزب أنهم تكيفوا بدرجة جيدة مع هذا القانون وبصورة قد تضعف تمثيلهم نسبيًّا، ولكن بدرجة ليست بالكبيرة وفق تقديراتهم، والمفاجأة التي لم تكن في الحسبان هي ليست وجود المال السياسي فقط، وإنما في وجوده العلني السافر، وبميزانية بدت في بعض الدوائر أنها بلا سقف "أحد أسباب كون جولة الإعادة أفضل نسبيًا أن البعض يبدو أنه كان قد استنفد ميزانيته كاملة في الجولة الأولى في حين بقي البعض محتفظـًا بذات القدرات اللا محدودة في شراء الأصوات على مدار يومي الإعادة!".

وبعد المرحلة الأولى -بجولتيها- على حزب النور أن يقرر: هل سيستمر في تلك المنافسة الشرسة مع المال السياسي وينتزع منه الدوائر التي يستطيع أن يحشد فيها حشدًا جماهيريًّا حقيقيًّا رغم حالة الإحباط العام، أم ينسحب اعتراضًا على قانون به بعض المزايا وبعض العيوب، ولكن إن ضم معه المال السياسي والحشد الطائفي صار شيئًا آخر لا علاقة له بالانتخابات ولا بفكرة "نواب الشعب" مِن قريب أو مِن بعيد؟!

وبلا شك أن انتزاع مقاعد مِن بين "أنياب المال السياسي" قد يعوِّض أبناء النور نفسيًّا عن ضعف نسبة المشاركة، كما أن الحزب قد اعتاد على تقديم نماذج قادرة على التفاعل والتأثير بصورة يغني فيها الكيف على الكم، وهذه أمور قد ترجح جانب الاستمرار في المشاركة، في حين يرى البعض أن انسحاب أي حزب -لا سيما إذا كان الممثل الوحيد لتيار ما- قد يجعل العقلاء يضغطون على بعض الجامحين أن يعودوا إلى دائرة العقل مرة أخرى.

خامسًا: الشماتة الإخوانية هل لها محل مِن الإعراب؟! وهل المشاركة في ظل هذا الوضع تتماشى مع منهج النور؟

أظهر الإخوان شماتة غير مسبوقة فيما أصروا على تسميته تدليسا بـ"صفر حزب النور"، وفي الواقع أن حزب النور لو فاز بعددٍ وافر مِن المقاعد لقالوا: "قبضوا ثمن خيانتهم!"، ولو كان العكس لأظهروا الشماتة، والذكي منهم مَن لا يظهر شماتة مجردة، وإنما يضيف إليها دعوة أن تعالوا إلى صف المعارضين للدولة واجلسوا في بيوتكم انتظارًا لمظاهرة خاطفة هنا أو هناك، وإن ارتقى بكم الحال فيمكنكم أن تنضموا إلى الكتائب النوعية، وهذا هو غرضهم مِن كل المناقشات التي تدور بينهم وبين أبناء النور المصرين على المنهج الإصلاحي، ومِن ثَمَّ فلا ينبغي أن ينشغل مَن اختار طريق الإصلاح السلمي بمن يريد أن يحرفه عنه، ويؤول كل واقعة بما يتماشى مع هذا الهدف.

ومع هذا فنحن نقول لهم: إنه وفق قواعدكم السياسية فما حققه حزب النور انتصار سياسي كبير، ويتبين هذا إذا نظرنا إلى تاريخ مشاركات الإخوان السياسية في العصر الحديث، والتي بدأت عام 1984م.

وكانت حصيلتها كالتالي:

- عام 1984م فازوا بـ (6 مقاعد) ضمن تحالف الوفد والإخوان.

- عام 1987م دخل الإخوان البرلمان ضمن التحالف الإسلامي "الإخوان - حزب العمل المصري - حزب الأحرار" التي خاضوا الانتخابات فيها تحت شعار: "الإسلام هو الحل"، وكان مجموع ما حصل عليه التحالف رغم جاذبية الشعار "36 عضوًا".

- وفي عام 1995م رشح الإخوان 150 مرشحًا لم ينجح منهم أحد إلا "نائب واحد" هو الأستاذ "علي فتح الباب".

- وفي عام 2000م فاز الإخوان بـ"17 نائبًا".

- وفي عام 2005م رشح الإخوان في مصر 160 مرشحًا تحت بند المستقلين فاز منهم "88 عضوًا".

- وفي 2010م دخل الإخوان أولاً في تحالف "الجبهة الوطنية للتغيير" الذي نادى بمقاطعة الانتخابات، ثم قرروا دخول الانتخابات وبعد خروجه مِن الجولة الأولى بلا فائزين مع وجود "7 مرشحين إعادة" عاد الإخوان لقرار الانسحاب.

الشاهد مِن هذا: أن الإخوان اعتبروا "6 أعضاء" في 1984م، واعتبروا أن وجود "عضو واحد" في 1995 أمر لا مانع منه طالما أن هذا هو الذي تحقق، وهكذا...

الصفحة السابقة الصفحة التالية