تحليل نتائج "حزب النور" في المرحلة الأولى مِن انتخابات 2015م
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وقد يقول قائل: إن المقارنة يجب أن تتم على ما بعد "25 يناير" حين حصل الإخوان على 40%، وحصل حزب النور على 25%، وقائل هذا يتعامى عن تغيُّر المناخ العام، ولا نريد أن نتكلم كثيرًا عن المسئول عن تغير هذا المناخ، ومَن الذي قدَّم صورة جيدة عن الإسلاميين في المعارضة مما جعل الناس تدفع بهم إلى الحكم بعد الثورة، ثم قدَّم صورة سيئة في الحكم لا ندري إلى متى يمكن أن يعاني منها أي حزب ذي مرجعية دينية!
ولكن لقائل أن يقول: نعم لو طبقنا قواعد الإخوان السابقة على هذه الحالة لاعتبرت نجاحًا كبيرًا، ولكن لو طبقنا ذات القواعد التي كان ينادي بها قادة النور "قبل تأسيسه" فتعتبر هذه المشاركة محدودة الفائدة.
وللإجابة على هذه الشبهة نقول:
1- حالة ما قبل "25 يناير" كانت حالة تكلس سياسي بكل معاني الكلمة، والمناخ السياسي مِن جهة القضايا الكلية العامة كان ثابتًا ولا يـتأثر إطلاقا بالكتل الموجودة في البرلمان، بخلاف الحال منذ "25 يناير" إلى الآن، ومِن وجهة نظر "كوادر النور" على الأقل أنهم ساهموا في منع فتنة داخل البلاد، وأنهم ساهموا في استقرارها، وحافظوا على بقاء مرجعية الشريعة قضية جماهيرية وسياسية حية، وهكذا فما زالت الأمواج تذهب وتجيء؛ فالفرق كبير.
2- يمكنك أن تقارن بيْن ترشيح الإخوان للأستاذ "جمال أسعد" على قوائم التحالف الإسلامي دون قانون يلزم بذلك آنذاك والخطاب الذي استعمل في هذا، وبين ترشيح النور للأستاذ "نادر الصيرفي" كمثال لمن رُشِّح على قوائم النور مِن الأقباط؛ لتدرك الفرق في تنظير كل المسائل.
3- حتى في باب الممارسة فقد تحمَّل النور الكثير مِن الظلم، ولكنه لم يناور أو يخل بأي تحالف له أو أي ميثاق له؛ مما يعني أن النور يقدم تجربة جديدة لا يُسأل عن غيرها، ولا يلزمه أثناء تقديمها أن يستصحب ما كان يقوله على تجارب غيره طالما أنه يرى أنه رشَّد التجربة وضبطها مِن وجهة نظره -على الأقل- بضوابط السياسة الشرعية التي ينادي بها، وبالطبع مِن حق أي أحد أن يسأل النور عن هذه الفروق، ومِن واجبهم أن يجيبوا مَن سأل.
ونظرًا لما سبق فإنني أؤكد أنه إذا كان حزب النور سوف يبحث موقفه مِن الانتخابات؛ فهذا شأنه الداخلي، ولكن مبدأ الوجود السياسي ذاته فأرى أن هذه التجربة لا بد وأن تكتمل وأن تعايش كل الظروف، وتتصرف في كل موقف بما تقتضيه أسس السياسة الشرعية لتبقى تجربة جديدة تستفيد منها الأمة ككل، وهذا حق جميع مؤيديهم عليهم.
سادسًا: الإسكندرية معقل حزب النور... هل خذلته انتخابيًّا؟!
عقب كل استحقاق انتخابي نسمع هذه العبارة: "الإسكندرية المعقل الرئيسي لحزب النور خذلته انتخابيًّا!"، وهذا ما يدفعنا إلى أن نسألهم: مِن أين أتيتم بأن الإسكندرية هي معقل حزب النور؟ الإجابة معروفة، وهي أن هذا الأمر استناد إلى التاريخ الذي يقول بأن الإسكندرية هي المعقل الرئيسي للدعوة السلفية التي ينتمي معظم مؤسسي حزب النور إليها.
ولحل هذه المعضلة نوضح التالي:
الإسكندرية محافظة تكاد تكون مكونة مِن مدينة واحدة أساسية هي مدينة الإسكندرية، ومعها مدينة صغيرة جدًّا هي مدينة برج العرب، ومعها ظهير ريفي صغير يقع على أطراف تلك المدينة الكبيرة، وهذه الحالة "المحافظة ذات المدينة الكبيرة الواحدة تقريبًا" لا تكاد توجد إلا في محافظة الإسكندرية، ولعل هذا هو أحد أسرار مدينة الإسكندرية عبْر التاريخ الذي جعلها مدينة متوسطة الصخب منفتحة على كل الأفكار، يميل أهلها -حتى مَن لم ينل حظـًّا كبيرًا مِن التعليم منهم- إلى أن يحاول أن يدرك ما حوله؛ ومِن ثَمَّ فكل التيارات ممثلة في الإسكندرية: "التيار الإسلامي بتنوعاته التي لا تقتصر على السلفيين والإخوان، بل تشمل بعض التيارات الأخرى - والتيار اليساري - والتيار الليبرالي"؛ أضف إلى ذلك في حالة اللعب على الوتر "الطائفي" -كما حدث في هذه الانتخابات- أن الإسكندرية تشهد وجودًا قبطيًّا أعلى كثيرًا مِن متوسط الوجود القبطي في عموم مصر.
والخلاصة: أن حزب النور قوي جدًّا في الإسكندرية، ولكنه غير منفردٍ وغير مسيطر، بخلاف بعض الأماكن الأخرى التي قد يسيطر عليها تيار واحد، وتضعف كل التيارات بجانبه، وبهذا الأمر يتضح أن النتائج الانتخابية التي يحققها النور في الإسكندرية منطقية رغم أنها تعتبر عاصمته الفكرية والسياسية.
وهذا لا يعني عدم وجود مشاكل داخلية أو أن النور حقق أفضل ما يمكن تحقيقه في الإسكندرية، بل إن مسألة رمزية وتاريخية الإسكندرية بالنسبة لهذا التيار مثـَّلتْ في الفترة الأخيرة نقطة ضعف؛ نتيجة انضمام أحد الرموز إلى تحالف دعم الشرعية وتوجيهه الخطابات الدائمة إلى أبناء الحزب بترك السياسة، وفي الواقع هذه الأمور تؤثـِّر في كوادر الإسكندرية أكثر مِن كوادر المحافظات الأخرى لقربهم ومخالطتهم لهذا الرمز أو ذاك.
وفي رأيي: إن هذه أزمة نفسية في المقام الأول سرعان ما سيتجاوزها الحزب في الإسكندرية إذا أحسن تهيئة كوادره على ألا يتأثروا بخطابٍ كهذا مهما بلغ حبهم لمَن أرسله، طالما أنه هو مَن خالف ما كنا متفقين عليه أنه الصواب، وقد ظهر هذا جليًّا في جولة الإعادة في الحمام والعامرية والمنتزة، وإن كانت التحالفات الانتخابية في الأخيرة قد أخرجت مرشح الحزب الأستاذ "عبد الحليم محروس" رغم تحسن وضعه جدًّا في الإعادة، فقد تحسنت الأمور وشارك كثيرٌ ممن كان محجمًا.
وأمام أبناء النور في الإسكندرية إعادة في دائرة كاملة هي دائرة الرمل يستطيعون مِن خلالها أن ينظموا صفوفهم، وأن يعطوا رسالة طمأنة لكوادر النور في كل الجمهورية، والذين ينظرون إليهم على أنهم هم الأكفأ والأنشط.
ولكني أحذرهم عمومًا في أي استحقاق انتخابي مِن أن يبالغوا في قوتهم؛ فيصابوا بالإحباط رغم العمل والجهد، وعليهم أن يدركوا أنهم يواجهون منافساتٍ انتخابية شرسةٍ ربما لا يواجهها الحزب في المحافظات الأخرى.
وأقول لهم: كونوا على قدر التحدي، ولكن في ذات الوقت كونوا واقعيين في تقييمكم للنتائج.
سابعًا: حزب النور في الصعيد: