متى يُراجِع المتعاطفون مع الإخوان أنفسهم؟! (3) "عناق وجدي وتليمة، واعترافات زوبع"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ومعركة كهذه لا يصلح فيها العناق والصور؛ لأنها قضية فكرية منهجية، ربما يكون هذا في القضايا الشخصية أو حتى الرؤى السياسية، فيمكن تصفية الخلاف الناشئ عن اختلاف الرؤى السياسية دون أن يتراجع كل منهما، كما يمكن أن يكون ذلك في مسائل الخلاف السائغ، أما في مسألة رمى فيها أحد الطرفين الآخرَ بأنه تكفيري، ورد عليه الآخر بأنه مرجئ؛ فهذه مسألة يترتب عليها عمل على أرض الواقع حيث يوجد شباب يُجرون أحكام الردة بكل تبعاتها على هؤلاء.
إن مشهد العناق بين "وجدي" و"تليمة" بعد هذه المساجلة الفكرية بينهما تلخص آفة مِن أكبر آفات الجماعة منذ نشأتها، ومنذ أن اختطَّ الأستاذ "البنا" -رحمه الله- مبدأ محاولة الجمع بيْن المتناقضات، فعرَّف جماعته بأنها دعوة سلفية، وحقيقة صوفية! هذا على الصعيد العام، وأما على صعيد قضية التكفير خاصة؛ فقد حوت الجماعة كل الأفكار، فيمكنك أن تجد أقصى درجات الإرجاء في تبني الدكتور "بديع" لعدم كفر مَن قال: "لو ربنا نزل سوف أحبسه في زنزانة!"، ونسبة هذا القول للأستاذ "حسن الهضيبي"، وعندما تسمع هذا الكلام لرجل محسوب على التيار القطبي في الجماعة تعلم إلى أي مدى يمكن أن يصيب الأتباع أنواع مِن انعدام الوزن الذي قد يدفع صاحبه إلى الانشقاق الصاخب العنيف، أو تسكين النفس بالتزام أوامر القيادة التي تشمل حتى الجانب الفكري بتنقلاته ما بيْن تبني عدم كفر مَن هذه حاله إلى تبني حالة سخط عام على المجتمع مقترنة بتكفيره أو حتى بدون هذا الاقتران؛ ذلك أن الأستاذ "البنا" قد وضع بذور التكفير حينما رسَّخ لدى الإخوان أن إسلامهم أشمل من إسلام غيرهم، وأن إيمانهم أكمل مِن إيمان غيرهم!
ومِن ثَمَّ نشأت حالة الاستعلاء لدى الفرد الإخواني، وهي حالة يوشك أن تصل به إلى التكفير إلا أن قابله "ضبط" أو "إيقاف" عن طريق التأكيد على ضرورة "حمل الخير للناس"، ومتى زالت هذه المكابح؛ فضلاً عن استعمال محفزات لعملية الاستعلاء وإشاعة حالة مِن النقمة على المجتمع تورث قضية التكفير بمختلف درجاته كما حدث للإخوان في السجون، وتطور الأمر إلى رمي المجتمعات بالجاهلية على يد "سيد قطب" و"محمد قطب"، ثم تطور هذا إلى فكر التوقف، وفكر جماعة التكفير والهجرة، وهي تمثـِّل حالة انحراف فجة تبرأت منها جماعة الإخوان رسميًّا، إلا أن فكر الإخوان بقي قابلاً وحاملاً لكل أطياف التكفير الأخرى، وهذا ما ظهر بعد "30- 6" حيث تبنَّت رموز مِن الجماعة أو مِن المحسوبين عليها أو مِن الضيوف الدائمين في قنواتها درجات متفاوتة مِن الفكر التكفيري منهم "وجدى غنيم"، ويليه "محمد عبد المقصود" صاحب فتوى صلاة التراويح في البيت، وإعادة صلاة الفريضة لمن صلاها خلف إمام مِن الدعوة السلفية أو مِن الأوقاف.
بينما بقي هناك مَن يرفض التكفير؛ منهم "عصام تليمة" مع أنه نظـَّر للسب والشتم بألفاظ فيها قذف، مما يدل على أنه لم ينجُ مِن تلك البذرة الخبيثة التي تورث صاحبها تساهلاً بحقوق الآخرين، وإن لم يصل إلى درجة التكفير الصريح.
وفي النهاية، فإن مشهد العناق بين رمزين تناظرًا وتراشقًا بالألفاظ، وبدَّع كل منهما الآخر دون أن يبيِّنا للناس مَن منهما كان المصيب ومَن منهما كان المخطئ، أو ما يجب على الفرد الإخواني أن يعتقده في هذه المسألة العقدية الكبرى ليَعكس واقعًا أليمًا جديرًا بكل مَن عافاه الله منه أن يَحمد الله على ذلك.
الموقف الآخر: تصريحات "حمزة زوبع" حول أهداف اعتصام "رابعة":
تحتاج تصريحات "حمزة زوبع" إلى أن تجمع مستقلة للتاريخ؛ لما يكون فيها أحيانًا مِن حقائق صادمة، كما تكلم قبْل فترة أن "السيسي" كان مِن فريق الحمائم فيما يتعلق بفض اعتصام "رابعة"، وكما صرَّح بأن أمريكا تضغط على "السيسي" لإعادة الإخوان إلى المشهد السياسي، ولكنه استنكر عليها أنها تريد إعادة الإخوان إلى المشهد السياسي وليس للحكم، وكان مِن آخر ما صرَّح به أن اعتصام رابعة العدوية كان غرضه دفع الجيش لإلغاء قرارات "3-7"؛ لإفساح المجال للحوار مع القوى السياسية التي قامت بـ"30-6" التي قال في شأنها: "30-6" على عنينا وعلى رأسنا، ولكن 3/ 7 لأ!"، وأن الجماعة كانت تقول: "مرسي" راجع بعد يوم أو بعد اثنين؛ لتحفيز الناس للحشد لتحسين شروط التفاوض... !
وهذا يدل على عدة أمور:
1- أن الجماعة أدركت متأخرة أنها كان يجب عليها أن تتفاوض سياسيًّا، وهو التفاوض الذي كنا قد وضعناها على طريقه، فقابلوا هذا بدعوى التخوين!
2- أن الجماعة منذ "30-6"، ومنذ الإعلان الدستوري "وقبله بالطبع، ولكن هذا ما يعنينا هنا" وهي تدرك الواقع متأخرًا ثم تحاول الرجوع إلى نقطة تجاوزها الزمان! مما يترتب عليه مضاعفة الخسارة، فهو هنا بعد "30-6" يدرك خطأ حساباته ثم يحاول العودة إلى "30-6" فيفعل كل هذه الكوارث، ولعل هذا ما يفسر أننا كنا نقول: "الشرعية خط أحمر" ونطالب بإصلاحات معينة، ثم لما تأخرت الإصلاحات وتمت "30-6" طالبنا بإجراء انتخاباتٍ رئاسية مبكرة، وهو ما استشكل على البعض، ولكن الجماعة انتظرت حتى تمت "3-7" ثم وضعت أبناءها والمتعاطفين معها، وغررت بهم؛ لتعود بالأوضاع إلى حالة مساء يوم "30-6".
3- أن توصيف الجماعة المعلن لحلف "30-6" أنه كله مِن الشيوعيين والعلمانيين إلخ، هو الآخر توصيف يشبه تصريحات عودة "مرسي" بعد يوم أو يومين، وأن مَن كان يذهب ليجاهد هؤلاء كان في الواقع يُستعمل لتمكين هؤلاء؛ لأن -وفق حسابات الجماعة- هؤلاء أهون عليهم مِن الجيش.
4- أن شعارات البيعة التي تمت لمرسي في الأعناق، إلى آخر هذا؛ لم يكن لها محل مِن الإعراب!