الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
1- في رسالة "دعوتنا" طالب الأستاذ "البنا" باتباع آداب الخلاف وعدم الطمع في وجود الإجماع في كل مسائل الخلاف، مع التأكيد على أن وجود الإمام سوف يرفع الخلاف في هذه المسائل، وهو في هذا موافق للموقف الشرعي الذي اتبعه السلف في هذا الباب، ويؤخذ عليه أنه لم يضع إطارًا واضحًا للتفريق بين الخلاف السائغ وغير السائغ، ولعله تأثر بقاعدة المنار الذهبية التي رفعها الشيخ "رشيد رضا" في وجه الشيعة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"؛ رغم أن الشيخ "رشيد رضا" قد بيَّن أنه يرفعها كتكتيك حيث كان يبيِّن في شرحها أن ما اتفقنا عليه هو: "لزوم اتباع القرآن والسنة، وتعظيم السلف" مما يُلزِم المخالف بالرجوع إلى السنة؛ ولذلك رفض الشيعة "قاعدة المنار" مِن "صاحب المنار" بينما قبلوها مِن الشيخ "حسن البنا" -رحمه الله تعالى-؛ لأنه طبقها على عواهنها.
2- وأما في رسالة المؤتمر الخامس: فقد قرر أنه بحسبنا أن نتفق على "ما يصير به المسلم مسلمًا!" -وهو تساهل واضح-، وفيها وصف جماعته بأنها: "دعوة سلفية، وحقيقة صوفية" دون أن يدرك أن هذه الصياغة المنمقة لن تحل الخلاف بين المتناقضات.
3- وأما التطور الأخطر: فقد جاء في رسالة "التعاليم"، وهي أنه تصدى بنفسه لإيجاد الأرضية المشتركة بين المختلفين عبر "الأصول العشرين"، والتي قرر أنه يأخذ البيعة على أن يكون فَهْم الفرد الإخواني للإسلام وفق هذه الأصول، ومكمن الخطورة أن هذا التقرير لهذا الحل التفصيلي قد نقل الإخوان من خانة "المتساهل" في الخلاف إلى "المتشدد غاية التشدد" في الدفاع عن هذه الأصول، وأنها تمثِّل المخرج الوحيد مِن الخلاف، وأن مَن رفضها فهو مسئول عن تشرذم المسلمين، وعن اختلافهم، وعن... وعن... !
إلى درجة أن الأستاذ "سعيد حوَّى" لا يستحسن فقط طريقة الأصول العشرين في السعي إلى إيجاد الحلول الوسط، ولكنه يقرر في تعليقه على رسالة التعاليم المسماة بـ"في آفاق التعاليم" أن الأستاذ "البنا" قد ضبط النسبة في التوسط بين الأقوال المختلفة التي لا يجوز أن نتحرك عنها يمينًا أو يسارًا، وفي الواقع فإنك لا يمكن أن تتخيل مدى الخطر في بعض المبادئ الموجودة في رسائل "حسن البنا"؛ إلا إذا طالعت كتب الأستاذ "سعيد حوى" لا سيما رسالة: "في آفاق التعاليم"، ورسالة: "المدخل إلى جماعة الإخوان المسلمين"، ثم تستمع إلى شرح الأستاذ "محمد حسين"، والدكتور "عصام العريان" لنفس الرسائل لتجد "الظاهرية" الشديدة في التمسك حتى في نسبة التوسط بين الأقوال المتعارضة!
إن الاعتقاد بأن الأصول العشرين هي الأصول التي لا يسع مسلم راغب في الوحدة إلا أن يلتزمها هي واحدة من عدة خصائص جعلت الإخوان يشعرون بأنهم جماعة المسلمين، أو أنهم جماعة من المسلمين، ولكنها أمثلها وأقربها لأن تتحول إلى جماعة المسلمين؛ مما يلزم الجماعات الأخرى أن تنصهر فيها كما قرر ذلك الأستاذ سعيد حوى (وهو بذلك نفى أنها جماعة المسلمين، ثم عاد فالتف حول هذا النفي).
وهذا الفهم مأخوذ من عدة مواطن من فكر "البنا" منها: "أن مَن تأخر عن الانضمام إلى الإخوان فهو قاعد مع القاعدين!"، وسيأتي تفصيل لذلك.
ب- وبعد هذا المنهج الذي رَسَمه، والقيادة التي مثـَّلها هو والذين بدأوا معه الدعوة، وبقي العاملون المؤمنون بهذه الفكرة - اجتمعت بذلك الأركان الثلاثة للعمل الإسلامي عند الأستاذ "البنا"، والذي يتمثل دوره الرئيسي في:
- العمل على مواجهة الفكر المنحرف.
- العمل على عودة الحكم الإسلامي والخلافة الإسلامية.
وإلى هنا يبدو الأمر مقبولاً، ولكن سيطرة فكرة أن هذا هو طريق النجاة قد جعل "حسن البنا" يبالغ جدًّا في النظرة الاستعلائية لهذه الجماعة الفتية، وبُثت تلك النظرة عبر الرسائل الثلاث المشار إليها آنفًا: "دعوتنا - المؤتمر الخامس - التعاليم"، ففي رسالة "دعوتنا" نجد أن الأستاذ "البنا" يتحدث عن أقسام الناس مع الدعوة، فقسَّمهم إلى: "مؤمن - متحامل - متردد - نفعي".
وهي قسمة -كما ترى- جعلت الناس في دعوة الإخوان بيْن: مؤمن بها ممدوح، وبيْن كافر بها مذموم -وإن اختلفت أسباب كفره بها-، ومِن ثَمَّ اختلفت درجة ذمه وطريقة التعامل التي نَصح بها الأستاذ "البنا" أتباعه بالتعامل مع كل حالة!
ويا ليتَ الأستاذ "البنا" وقف عند هذا الحد، بل زاد على هذا بقوله بعدها: "ونحب أن يعلم قومنا إلى جانب هذا، أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا مَن حاطها مِن كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه، وماله، ووقته، وصحته، قال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (التوبة:24) ، فهي دعوة لا تقبل الشركة؛ إذ أن طبيعتها الوحدة، فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به، ومَن ضعف عن هذا العبء؛ فسيحرم ثواب المجاهدين ويكون مع المخلفين، ويقعد مع القاعدين، ويستبدل الله لدعوته به قومًا آخرين: ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) (المائدة:54) ".
ثم عاد الأستاذ "البنا" فقال: "والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم، لا يريدون أن ينزلوا على حكمه ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل، قوي، يقظ في نفوس الإخوان المسلمين... ظاهرة نفسية عجيبة!".