شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وهذه العبارة توهم التكفير حتى إن الدكتور "عصام العريان" حاول تخفيف حدة العبارة -راجع ما ذكرناه في أن جيل السبعينيات عنده حساسية من التكفير أو لوازمه ليست موجودة عند الإخوان: سواء البناويين أو القطبيين-، فقال الدكتور "عصام العريان": إن الإمام البنا لم يقسِّم الناس إلى مؤمن وكافر؛ لأن هذا يكون في موقف الناس مع دعوات الأنبياء، ولكنه هاهنا قسَّم الناس بحسب موقفهم من الدعوة. ثم عاد فعلَّق على وصف المتخاذل بأنه قاعد مع القاعدين بأن هذا هروب من وصفه بشيء "شنيع جدًّا!".

إن الأستاذ "البنا" يبالغ في مدح جماعته، وفي ذم المتخاذل عنها إلى أن يصل بنا إلى حافة التكفير، ثم يضع لنا "كوابح" من نوع "مع اشتراكنا في الإيمان!"، بل إنه في افتتاحية هذه الرسالة -"دعوتنا"- دفع بنا إلى اتجاه تقديس الإخوان بقوله: "ونحب مع هذا أن يعلم قومنا -وكل المسلمين قومنا- أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدمًا في الطريق التي رسمها الحق -تبارك وتعالى- للداعين إليه".

ولكنه يضع "كوابح" تمنع من أن يُفهم من هذا ازدراء الآخرين أو تكفيرهم بقوله: "ونحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا مِن أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تُزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضَّت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا جدّ عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم في يوم من الأيام".

غير أن هذه "الكوابح" كانت تتعرض في كلام "البنا" لمد وجزر، ويمكنك أن تقارن بين كلامه السابق وبين قوله في رسالة "مهمتنا" -وهي رسالة تقع في ترتيب كتاب رسائل حسن البنا بين رسالة المؤتمر الخامس ورسالة المؤتمر السادس-: "أيها الإخوان المسلمون: هذه منزلتكم، فلا تصغروا في أنفسكم فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلاً غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله بغيرها من الدعوات التي تبررها الضرورات، وتذهب بها الحوادث والأيام.

لقد دعوتم وجاهدتم، ولقد رأيتم ثمار هذا المجهود الضئيل أصواتًا تهتف بزعامة رسول الله وهيمنة نظام القرآن، ووجوب النهوض للعمل، وتخليص الغاية لله، ودماء تسيل من شباب طاهر كريم في سبيل الله، ورغبة صادقة للشهادة في سبيل الله، وهذا نجاح فوق ما كنتم تنتظرون، فواصلوا جهودكم واعملوا، ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) (محمد:35) .

فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومَن تقاعد عنا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غدًا، وللسابق عليه الفضل، ومَن رغب عن دعوتنا؛ زهادة، أو سخرية بها أو استصغارًا لها، أو يائسًا من انتصارها؛ فستثبت له الأيام عظيم خطأه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه فإذا هو زاهق.

فإلينا أيها المؤمنون العاملون، والمجاهدون المخلصون، فهنا الطريق السوي، والصراط المستقيم، ولا توزعوا القوى والجهود، ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الأنعام:153) ".

4- وسائل التغيير عند "حسن البنا" -رحمه الله-:

أ- مَن طالع رسائل "حسن البنا" سوف يجد أنه يعتمد في المقام الأول المنهج الإصلاحي التدريجي، ولكن في ظل هدف مرحلي كبير، وهو: "إقامة الحكم الإسلامي"، ويُؤخذ على هذا المسلك تقصيره في الإصلاح الشامل في المجتمع لصالح الإسراع في إقامة الحكم.

وقد تعرضنا لهذه المسألة في مقالة سابقة، وأعيد هنا ذكر ما ذكرته هناك، حيث قلتُ: "بلا شك إن الحركات الإسلامية المعاصرة كانت في حاجة إلى التحرك في محاضنها التربوية الخاصة لإعداد كوادرها لمواجهة الكثير من صور التغريب والانحراف؛ إلا أن الملاحظ أنه كلما كانت هذه المحاضن أقرب إلى العمومية ساهمت في وجود روح متصالحة مع المجتمع العام، ومِن ثَمَّ حرصت الدعوة السلفية -بفضل الله- على جعل المسجد هو محضنها التربوي الأصلي دون غيره من الصور التي اعتمدتها حركات أخرى.

وفي المقابل: فإن هناك تيارات اكتسبت حالة عدائية شديدة تجاه المجتمع، وانزوت في مجتمعات صغيرة سرعان ما اعتبرتها أنها هي جماعة المسلمين كما حدث في جماعة "التكفير والهجرة"، وثمة جماعات أخرى لم تصرِّح بكفر المجتمع، وإنما نظرت إليه نظرة دونية، وطبَّقت مفهوم استعلاء الإيمان الذي دعا إليه بعض المفكرين إلى استعلائهم هم على العصاة "أو إن شئتَ قل: على مَن سواهم!"؛ مما أورث هؤلاء سلوكًا تكفيريًّا، وإن كانوا يتفاوتون في طريقة تنظيرهم لهذا السلوك.

وثمة اتجاهات أخرى تعاملت مع المجتمع الكبير، ولكن لم تتعامل معه من نفس الباب الذي تعامل منه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مثلاً، وإنما أوتوا من قِبَل استغراقهم في مفهوم أن الإسلام دين ودولة أكثر مِن استغراقهم في صورة المجتمع المسلم الكبير، ومِن ثَمَّ تجد أن هؤلاء تتركز أنظارهم في دائرتين: "دائرة المجتمع الصغير - ودائرة الدولة" بينما لا يمثِّل المجتمع الكبير في عرفهم إلا طريقًا واصلاً بين الدائرتين.

وأما النظرة الصحيحة فهي أن تعتبر أن دائرة المجتمع الكبير هي دائرة كبيرة تضم في داخلها عددًا من الدوائر الصغيرة تمثِّل الرؤى والاتجاهات، والمحاضن التربوية الصغيرة، وأن الدولة ما هي إلا قبعة على رأس هذا المجتمع.

الصفحة السابقة الصفحة التالية