شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

إن الفرق بين الطرحين كبير، ولعله إذا اتفق الجميع على تلك النظرة أن المجتمع الكبير يضم تحته كل المجتمعات الصغيرة وتعلوه دولة عادلة؛ هي الأخرى راعية لكل مَن هو داخل الدائرة الكبرى بغض النظر عن الدائرة الصغرى التي خرج منها أفراد تلك الدولة، فهل نطمع أن يسعى الجميع إلى الانتقال -ولو تدريجيًّا- إلى هذا النموذج؟".

ب‌- إلا أن "حسن البنا" ترك الباب مواربًا للجوء إلى أسلوب الثورة، وإلى استعمال العنف، فقال في رسالة المؤتمر الخامس:

"الإخوان والقوة والثورة:

ويتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمين في إعداد ثورة عامة علي النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء؛ فليسمع مَن يشاء؟

أما القوة: فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (لأنفال:60) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ) (رواه مسلم) ، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه، ويناجي به ربه: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ) (متفق عليه) ، ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف: ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر؟! فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء... شعاره القوة في كل شيء... ؟! فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء، ولابد أن يعملوا في قوة.

ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا مِن أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا في أعماقها، ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها؟ وما يراد بها؟ فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك: قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما: قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان - فسيكون مصيرها الفناء والهلاك.

هذه نظرة... ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام -والقوة شعاره- باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟ أم حدد لذلك حدودًا واشترط شروطًا، ووجَّه القوة توجيهًا محدودًا؟!

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟ أم مِن واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟!

هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه، والثورة أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر جرَّب حظه من الثورات؛ فلم يجنِ من ورائها إلا ما تعلمون.

وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

وأما الثورة: فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل؛ فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن مِن ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال... ".

ومن الواضح أن الشيخ "حسن البنا" وإن كان تعريجه على الثورة هو نوعًا من تهديد الحكام بها دون أن يتبناها؛ إلا أنه بيَّن أن اللجوء إلى العنف "خيار قائم" حال إغلاق طريق "السَّلم" في مواجهة الإخوان، وإذا علمتَ بعد هذا النقل أن تأسيس "النظام الخاص" قد تزامن مع "المؤتمر الخامس" أو جاء بعده بقليل، ثم اطلعتَ على تاريخ هذا "النظام الخاص" وما قام به مِن أعمال - تبيَّن لك ذلك، وقد شملت أعمال "النظام الخاص" تغيير المنكر باليد، وشملت القيام بعمليات ردع ضد خصوم الإخوان، كما تفرع عنه قسم الوحدات؛ للتغلغل داخل الجيش للقيام بانقلاب، وهي المهمة التي تُركت لاحقًا لـ"تنظيم الضباط الأحرار".

جذور التكفير في فكر "حسن البنا":

ومِن العرض السابق يمكننا أن نخلص إلى الإجابة على السؤال: هل يوجد جذور للفكر التكفيري في منهج حسن البنا أم أنها وليدة سيد قطب؟

وهذا بيان للإجابة على هذا السؤال:

1- الفكر التكفيري يتضمن طرفين: "النظرة الاستعلائية إلى الذات، ومعها نظرة دونية إلى الآخر".

2- وبقدر اتساع الفجوة بين "أنا" و"الآخر" نصل إلى "أنني المسلم"، والآخر "كافر!".

3- ولكن "حسن البنا" رسَّخ فكرة أن "الإخوان هم الممثل الحصري للإسلام".

وذلك عن طريق:

أ‌- "إسلام الإخوان" يمتاز عن "إسلام الآخرين".

ب‌- "إيمان الإخوان" جذوة في قلوبهم، "إيمان الآخرين" خامل في قلوبهم.

ت‌- "عمل الإخوان" منظم ومرتب ونشط ودءوب، و"عمل غيرهم" ليس كذلك.

ث‌- "نية الإخوان" سالمة عن العمل للدنيا بخلاف "نية غيرهم".

الصفحة السابقة الصفحة التالية