حوار السِّلمية والعنف على مواقع الإخوان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
3- مِن الواضح أن التأثر بالشيعة قد تجاوز الأمور المنهجية إلى الإعجاب بفكرة "الحرس الثوري" الإيراني، وبغض النظر عن كونها فكرة دموية، وارتكبت الكثير مِن الجرائم من جهة، وكونها لا تصلح في مصر التي كان الجيش فيها هو الذي فصَلَ بيْن "مبارك" والشعب؛ بناءً على شهادات الإخوان والواقع -ومهما قالوا فيما بعد عن دوافع ذلك؛ فلن يغير مِن الواقع على الأقل-.
4- الرجل أبقى فصيلاً مِن الناس لا يُعاديهم ويجعلهم ذخرًا لدعوته، ولكنه في النهاية عاد وكشف عن أزمة عميقة تكررت مع الإخوان في تجارب 54 و65، وهي نقل حالة السخط على النظام إلى سخط على الناس؛ لأنهم يتوقعون مِن الناس أن تدخل محنتهم، وهو توقع مبني على أوهام أو مغالطات، والناس ليس مِن ذنبهم أنك تعدهم بما لا تملك وتتساهل معهم في الفتاوى ترغيبًا لهم في دعوتك ثم تطلب منهم أن يجاهدوا في سبيل وجهة نظرك، وهم في هذه الحالة قد يكونوا غير مهيئين للجهاد في سيبل الدين ذاته؛ فكيف يفعلون هذا في سيبل فصيل أخطأ نظامه الخاص مرة فاستُدرج إلى الاغتيالات وطاش في حساباته السياسية مرات؟! فما ذنب الناس ليجعلهم الكاتب ما بيْن جبانٍ ومخدوع، ولم ينجُ مِن هذا إلا مَن استجاب لهم، وإن كانت الاستجابة ثمنها أن يتعرَّض للرصاص الحي!
5- والعجيب أن يعترف الكاتب بهذا دون أن يسأل نفسه: بأي معيار شرعي أو سياسي يدفع مناصريه إلى مواجهة الرصاص الحي؟! وهو الأمر الذي لم يفرضه الله على المسلم "الأعزل" في نصرة الدين ذاته أمام الكفار، وليس في نصرة فصيل مسلم! فلم يفرضه الله على المستضعفين في مكة، وردَّ نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن عمرته مِن أجل عددٍ قليل مِن المستضعفين، وفي آخر الزمان يوحي الله إلى عيسى -عليه السلام-: ( إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ؛ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ) (رواه مسلم) .
6- وعلى ذات المنوال كتب أحد المعلـِّقين على مقالته مخرجًا فصيلاً مِن المواجهة، ومبقيًا على آخرين؛ فلننظر مَن أدخل ومَن أخرج، قال: "هل مع حالة الانقلاب سلمية؟ للجواب عن ذلك أقول: هناك شعب بعضه مؤيد ثائر، وبعضه متعاطف ساكت، وبعضه خائف صامت، وآخرون يخالفوننا في مسلكنا، لكنهم لا يقاتلوننا؛ فهؤلاء إخواننا جميعًا نشد على يد مَن أيَّد ثورتنا أو تعاطف معها، ونحث الخائفين على الشجاعة والإيمان بالواجب، ونناقش ونوضح ونتحمل مَن خالفنا الرأي وإن اشتد خلافه، ومع هؤلاء جميعًا نحن سلميُّون رحماء، وسنظل نحب هؤلاء؛ فهم إخواننا وحقلنا الذي نزرع فيه، وهناك عصابة مِن الزنادقة والمرتدين والقتلة والمجرمين، ومن عمائم أزهرية نجسة، ولحى سلفية خائنة، ورتب عسكرية وشرطية مجرمة، ورموز علمانية كافرة، ووجوه صليبية حاقدة، وأبواق إعلامية فاجرة، وحثالة بلطجية مفسدة، وجنود ظلم؛ قتلوا وحرضوا واغتصبوا -ولا يزالون-؛ فهؤلاء حقهم الجهاد والسيف، وذلك إجماع المعاصرين والأقدمين، بناءً على النصوص الواضحة والقواعد البيِّنة، والسلمية معهم حرام كحرمة القتال مع المسالمين، وكل قوانين الدنيا وطبائع البشر توجب ذلك وتحتمه، ولسنا في ذلك مخالفين لثوابت ديننا ولا لمعالم دعوتنا، ولا داعي للجدل في الواضحات، وتوضيح البيِّنات، هذا هو الحكم، أما التطبيق والتنفيذ فيخضع لأمور، منها:
1- القدرة والإمكانية.
2- تقدير العواقب والمآلات، وهذا يقدره أهل الميدان والمرابطون في الثغور، وقادة الحراك وأحرار الثورة، وقد قرر العلماء أنه لا يفتي لأهل الثغور إلا علماء الثغور".
ولاحِظ أن "كاتب هذا التعليق" بعد ما قسَّم الناس إلى مسالمٍ ومواجِه، عدَّ أصناف مَن يُواجَهون، فلم يترك أحدًا تقريبًا غير الإخوان!
7- حاول بعض المعلقين على المقالة الأولى أن يجد مخرجًا شرعيًّا فقال: "نعم... نعم... نحن نحترم كلا الرأيين، ولكن... أين نحن مِن قول الله -عز وجل-: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:179) ، وهو حق شخصي لأولياء الدم "بنص القرآن"، وفي وجود حاكم قاتل متعمد، وقضاء فاسد مدلس متعمد البطش والظلم، وحتى في وجود دولة؟ وأين نحن مِن قول الله -عز وجل-: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) (الشورى:39) ؟".
وهذه الجزئية كان الدكتور "البر" قد ردَّ عليها في مقالته؛ حيث قال عن أخذ الأشخاص ثأرهم بأنفسهم: "وهذا بالضبط ما يسعى إليه الانقلابيون، وهم يلعبون بالنار حين يتصورون أن ذلك يمكن أن يعطيهم ذريعة أو تبريرًا لمظالمهم، وفرصة لإلصاق تلك العمليات الثأرية الفردية والعشوائية بالثورة والثوار كذبًا وزورًا، وخصوصًا مع صعوبة التعرُّف على الأفراد أو المجموعات العشوائية التي تفعل ذلك، والتي ترى استسهال الأجهزة الأمنية الفاشلة في إلقاء التهمة على جماعة الإخوان أو غيرهم مِن الثوار".
وفي الواقع: إن أخذ أولياء الدم ثأرهم بأنفسهم يعني الفوضى بعينها؛ فأين إثبات القتل على قاتل معين، وأنه قتل عمدًا؟ وأين؟ وأين؟!
ثم في النهاية: لو سلمنا لذلك جدلاً؛ فلا يجوز في سبيل الثأر لواحدٍ أن تجلب القتل على مجتمع بأسره! ويا ليت مََن يدعو إلى ذلك أن يُراجِع "الجماعة الإسلامية" في تجربتها الثأرية مع "الشرطة" وما آلت إليه، وما جرت عليهم وعلى البلاد، وهذه التجربة تقتضي أن يسأل الإخوان أنفسهم عن أقوالهم عن الجماعة الإسلامية وقت مواجهتها مع الشرطة؛ رغم أن الجماعة الإسلامية "على وجه الخصوص" دخلت هذا المنزلق مِن باب "الثأر".