مشاريع تدبُّر القرآن... ضوابط ومحاذير
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرٍ، وَأَحَدُنَا يَرَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَأَمْرَهَا وَزَاجِرَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ نُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا، كَمَا تَعَلَّمُونَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ، فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، وَلَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقْلِ".
وهذا الحديث فيه شرف الصحابة -رضي الله عنهم- الذين مكَّنهم الله مِن أفضل حالات العلم والعمل، فكان القرآن ينزل فيقرأه عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يعلمهم ما فيه مِن أحكام فيعملون بها، ثم يحفظونها أو على الأقل لا يطلبون حفظ غيرها قبْل أن ينتهوا منها.
ولكن هل استمرت الأمة على هذه الوتيرة؟!
إن المتابع لكل الروايات التي فيها شيء مِن هذا يلحظ أن الصحابة يخاطبون التابعين بأنهم لم يتبعوا ذات أسلوب الصحابة، بل ليس في الأمر إلا استنكار غياب معنى العمل عند البعض.
وفي الواقع: إن التمسك بهذا النص على أهميته، وإهمال أن مِن الصحابة مَن كان همه الجهاد في سبيل الله، ولم يكن مِن المشتغلين بالعلم، ومنهم المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، ومنهم مَن قال: "أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ" (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
ثم إن الأمر ازداد وضوحًا في التابعين حتى فيمن يطلبون العلم فيهم؛ فتنوعوا في أنواع العلوم، فمنهم مَن كان جلّ همه في نقل القرآن بالتواتر، وهو مِن آكد الواجبات على الأمة، ومنهم مَن عني بتفسيره، ومنهم مَن عني بحلاله وحرامه، بل حتى الحديث ذاته مع أنه غير متعبَّد بألفاظه إلا أن حفظ ألفاظه وسيلة لفهمه، فقد وُجد مَن سدَّ هذه الثغرة، وُوجد مَن سد ثغرة الفهم والاستنباط، وكل هؤلاء لم يكونوا ممن يكتفون بالعلم ويتركون العمل؛ لأننا قد اتفقنا أن العمل ممكن للعامي الذي لم يتمكن مِن شيء مِن العلم، فغاية ما هنالك أن كلاً مِن هؤلاء يكون في العلوم الأخرى بمنزلة العامي؛ فيسأل ليعمل.
فالعمل مطلوب على كل حال، والحفظ والتفسير كلاهما مِن فروض الكفايات، ومَن قام بهما معًا فهو أفضل، ومَن قام بأحدهما فقد قام ببعض الخير.
جاء في كتاب المنتقى مِن فتاوى الشيخ "الفوزان" الجزء الثاني، هذا السؤال وجوابه: "رجل يقول: إنه يحاول حفظ القرآن، لكنه لا يتمكن مِن قراءة التفسير لظروف عمله: هل يستمر بالحفظ فقط؟
لا بأس بذلك، فليس مِن لوازم الحفظ أن تقرأ التفسير، بل إذا أمكن أن تحفظ وأن تقرأ التفسير؛ فهذا شيء طيب، وإذا لم يتيسر؛ فإنك تحفظ القرآن أولاً، وإذا تيسر الأمر وسنحت الفرصة فإنه تقرأ التفسير بعد الحفظ، فالجمع بيْن الحفظ والتفسير أكمل إذا تيسر، أما إذا لم يمكن قراءة التفسير ولم تتمكن إلا مِن الحفظ فإنك تقتصر على الحفظ وتحفظ القرآن، ثم بعد ذلك تقرأ التفسير، وفي كلا الحالتين لا بد مِن العمل بالقرآن، فإنه لا يكفي الحفظ ومطالعة التفسير بدون عمل".
وأما أبرز الأخطاء الموجودة في بعض مناهج التدبر المطبقة في دور تحفيظ القرآن حاليًا:
1- استغراق بعض مطبقيها في حالة مِن حالات الإعجاب بالنفس ومدحها بصورة تدل على أن صاحبها لم يتدبر القرآن، ولم يؤثر فيه القرآن، وإذا تصفحتَ بحثًا -يمكن تصنيفه على بحث طلابي- فوجدت كاتبه يمدح بحثه بأنه أوفى ما كُتب في بابه، وفي الباب عشرات رسائل الدكتوراه والماجستير، فضلاً عن كلام السلف؛ فلا يسعك إلا أن تتساءل: أي تدبر هذا؟!
2- الاستغراق في حرب اصطلاحية حول مفهوم التدبر وعلاقته بالتفسير، وغيرها مِن المصطلحات مع اتفاق كل كلام العلماء -والعقلاء- على أنه لا بد مِن فهم المعنى ثم إعمال العقل فيه طلبًا للاقتناع، وإخضاع القلب له طلبًا للتسليم، واتباع ذلك كله بالعمل، بل في زماننا -ومع استقرار علوم الشريعة- العمل واجب وممكن، حتى للعوام الذين لا يطلبون شيئًا مِن العلم، وهو لمن يطلب العلم آكد؛ فلماذا إشغال مَن يريد حفظ القرآن -ومنهم أطفال- بهذه المعارك الوهمية "في الواقع لهذا تعليل في سلوك بعضهم، سيأتي في نقطة تالية -إن شاء الله-".
3- مبالغة بعضهم في أهمية التدبر -وهو هام بلا شك-، ولكن البعض يبالغ إلى الدرجة التي يصف فيها القارئ الذي لا يدري معنى ما يقرأ "بالحمار يحمل أسفارًا!"، وفي هذا سوء أدب مع كتاب الله وحرمته وعظمته وفضله، وأن مِن فضله أن تلاوته المجردة عبادة وقـُربة.
وقد تقدم إجابة الشيخ "الفوزان" على ذلك، وفي ذلك إجابات مماثلة للشيخ "ابن باز" والشيخ "العثيمين"، مِن ذلك هذا السؤال وجوابه للشيخ "العثيمين" على موقع طريق الإسلام:
- "السؤال: أداوم على قراءة القرآن، لكنني لا أفهم معانيه... فهل أُثاب مِن الله على ذلك؟
- الإجابة: القرآن الكريم مبارك كما قال الله -تعالى-: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ )، فالإنسان مأجور على قراءته سواء أفهم معناه أم لم يفهم؟ ولكن لا ينبغي للمؤمن أن يقرأ دون أن يسعى لأن يفهم معناه، فالإنسان لو أراد أن يتعلم الطب مثلاً ودرس كتب الطب؛ فإنه لا يمكن أن يستفيد منها حتى يفهم معناها وتشرح له، بل هو يحرص كل الحرص على أن يفهم معناها مِن أجل أن يطبقها؛ فما بالك بكتاب الله -سبحانه وتعالى- الذي هو شفاء لما في الصدور وموعظة للناس أن يقرأه الإنسان بدون تدبر وبدون فهم لمعناه؟! ولهذا كان الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها مِن العلم والعمل.