مشاريع تدبُّر القرآن... ضوابط ومحاذير
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
فالإنسان مثاب ومأجور على قراءة القرآن، سواء أفهم معناه أم لم يفهم؟ ولكن ينبغي له أن يحرص كل الحرص على فهم معناه، وأن يتلقى هذا المعنى مِن العلماء الموثوقين بعلمهم وفي أمانتهم، فإن لم يتيسر له عالم يفهمه المعنى؛ فليرجع إلى كتب التفسير الموثوقة، مثل: "تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، وغيرهما".
4- قدَّمنا أن بعضهم يدخل في معركة كبرى للتفريق بيْن التفسير والتدبر، وغرضهم في ذلك الوصول إلى أن التفسير له قواعد، بينما التدبر متاح حتى للعامة، وربما انتزعوا نُقولاً عن العلماء مِن سياقها!
وفي الواقع: أن التدبر هو إدراك المعنى على أحد معانيه، أو هو التفكر في المعنى على المعنى الآخر، وبالتالي؛ فلا تدبر بلا إدراك للمعنى، وإدراك المعنى على ثلاث مراتب تقدم ذكرها: "معرفة الألفاظ - معرفة المعنى الإجمالي للآية - معرفة كل ما يستنبط مِن الآية".
وبحسب معرفة كل شخص بالمعنى يتمكن مِن درجة تدبر؛ ولذلك ناسب أن يُخاطَب الكفار والمنافقون بالتدبر؛ لكون الآيات الداعية للإيمان يتمكن كل عربي مِن فهمها؛ ولأنها تخاطِب الكفار والمنافقين بالحجج العقلية.
وأما المسلم وهو مخاطب بالإسلام كله؛ فلا يسعه أن يقول في القرآن برأيه، سواء سُمِّي هذا تفسيرًا أو تدبرًا.
ومِن عجائب الأمور أن الإمام "ابن كثير" -رحمه الله- قال في تمام تفسير قوله -تعالى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا): "قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِسًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمر النَّعم، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَجَلَسْنَا حَجْرَة، إِذْ ذَكَرُوا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، فَتَمَارَوْا فِيهَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَخَرَجَ رسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُغْضَبًا حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، يَرْمِيهِمْ بِالتُّرَابِ، وَيَقُولُ: مَهْلًا يَا قَوْمُ، بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مَنْ قَبْلِكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فردوه إِلَى عالمِه.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده قَالَ: خَرَجَ رسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ، وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ، فَكَأَنَّمَا يُفْقَأ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمان مِنَ الْغَضَبِ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؟! بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. قَالَ: فَمَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِمَجْلِسٍ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم أَشْهَدْهُ مَا غَبَطْتُ نَفْسِي بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ -أَنِّي لَمْ أَشْهَدْهُ-. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عمْران الجَوْني قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاح، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا، فَإِنَّا لَجُلُوسٌ إِذِ اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي آيَةٍ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، بِهِ".
فجعل الإمام "ابن كثير" -رحمه الله- آية التدبر مانعة مِن القول على الله بغير علم.
- شبهة وجوابها:
يحتج بعضهم بما ورد مِن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وأنه كان يسألهم ثم يصوب لهم، مثل قوله: ( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ) (متفق عليه) ، إلى آخر هذا.
وهذه الأسئلة معظمها لا يتعلق بتفسير كلام الله، ولا بالاستنباط منه؛ فخرجتْ مِن موطن النزاع.
- أما ما يتعلق منها بالاستنباط: فراجع إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علَّم المتأهلين للاستنباط مِن أمته أصول الاستنباط، كما سأله عمر -رضي الله عنه- عن القبلة للصائم؟ فقال: ( أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ، وَأَنْتَ صَائِمٌ ) قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: ( فَمَهْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وهذا في الاستنباط.
- وأما التفسير "وهو معنى منطوق الآية": فأي قول فيه بلا علم هو مِن القول على الله بغير علم، وقد قال فيه الصديق -رضي الله عنه-: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلتُ في القرآن برأيي"، وكان هذا في تفسير لفظة مِن غريب القرآن ( وَأَبًّا )، والسياق يدل على أنها عمومًا مِن جنس ما يخرج مِن الأرض، وإنما تهيب الصديق مِن تعيينها بلا علم.
- وأما العامة فلا يترك لهم لا التفسير ولا الاستنباط، وكلٌ له شروطه.
وإنما يفسَّر لهم القرآن؛ فيتدبرون في المعنى الصحيح المذكور لهم.
ثم إن ترك الباب للعامي ليقول؛ بدعوى وجود مَن يصحح له، وهذا الذي سيصحح يحتاج إلى مَن يصحح له، وأقصاه أن يكون راجع بعض التفاسير، ولا يستطيع أن يتوقع كل ما ستتفتق عنه أذهان الحاضرين ليعرضه على كل نصوص الشريعة، وليس نص الآية التي هو بصددها فقط.