متلازمة الإسلام "والجَمَل" عند الصحفيين... مِن أين جاء الوهم؟! ومَن يملك العلاج؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
وأما دعاء السفر: فعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ: ( سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ ) (رواه مسلم) ، هذا في سفر الذهاب، وأما سفر العودة فيزيد فيه: ( آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ) (رواه مسلم) .
وقد أحسنت شركة "مصر للطيران" بإذاعة تسجيل صوتي لهذا الدعاء؛ تذكيرًا للركاب به، والركاب فيهم: الصالح والطالح، والعالم بهذه الأدعية والجاهل بها، ولكن في هذا المشهد الذي تجتمع فيه على الإنسان هذه الهموم يجد أن هذا الدعاء هو البلسم الشافي لتبديد كل هذه الهموم؛ فترى الركاب جميعًا يهمهمون بهذا الدعاء، وكأنك في مسجد أوفي حلقة ذكر، بل تجد أن كثيرًا من الركاب يزيد على هذا بالتكبير كلما علت الطائرة، والتسبيح إذا نزلت كما جاءت بذلك السنة.
وهذه الطائرات يركبها أيضًا مِن الكفار مَن يركب، ونحن على يقين أن مَن يفهم منهم هذا الدعاء، وما فيه من معانٍ جامعة وكأنها لم تُقل إلا في شأن أخطار الطيران مع أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- سنها لأمته يوم كان السفر على الدواب، وكان غاية ما فيها من خطر أن ترمي صاحبها فتقتله، وهو أمر لا يكاد يقع - ثم نظر في الأديان الأخرى وخلوها مِن الذكر المأثور عن الأنبياء حيث ضيع هؤلاء سنن الأنبياء، وانشغلوا بنسج الأساطير حولهم؛ فإنه يظهر له عظمة الإسلام وشموليته وأن وحده الدين الصالح لكل زمان ومكان؛ إلا أن منهم مَن يُعرِض عن التأمل في هذا الأمر، ومنهم مَن يتأمل ويمصمص الشفاه؛ فقد عقد عزم قلبه على ألا يفارق دين الآباء والأجداد مهما كان الثمن!
وقد يُتصور أن يحاول بعضهم منع إذاعة هذا الدعاء حقدًا وتغيظًا على المسلمين! وقد يتصور أن يستأجر مَن يفعل ذلك نيابة عنه ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.
هذا... وقد قام صحفي يعمل في "جريدة مشبوهة"، ويرأس تحرير جريدة "أكثر شبهة" بتوجيه نقدٍ إلى شركة الطيران؛ لأنها اختارت هذه الآية: ( سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ) (الزخرف:13-14) ، مع ما فيها مِن قوله -تعالى-: ( وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ )، وهو أمر لا يجمل أن يواجَه به المسافر في زعمه! كما أنه استنكر أن يُختار مِن أدعية النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء الذي فيه وعثاء السفر، وكآبة المنظر حتى يواجَه به المسافر في أول جلوسه على كرسي الطائرة!
ثم لما نوقش في ذلك... قال: "إنه ينبغي أن يُراعَى أن الطائرة يركبها غير المسلمين!".
هذا حاصل كلامه... "فض فوه".
ونحن بعد المقدمة السابقة نعلق عليه في نقاط محددة، نجملها فيما يأتي:
1- دأب العالمانيون على أنهم إذا أرادوا أن ينتقدوا شيئًا مِن دين الله نسبوه إلى أحد الناس على أنه فهم فلان للدين، ثم انبروا يعلِّمون ذلك الغير صحيح الدين على حد فهمهم! وهكذا فعل هذا الصحفي هنا؛ فادَّعى أن اختيار الآية والدعاء كان مِن فعل شركة الطيران، ومِن ثمَّ فالنقد موجَّه لهم لا إلى الآية، ولا إلى الدعاء النبوي.
والكاتب مخير هنا بين احتمالين أحلاهما مر:
- إما أن يعترف أنه جاهل جهلاً مطبقًا للكتاب والسنة؛ حيث يَعرف القاصي والداني أن هذا الدعاء هو الذي كان يدعو به النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر، وليس دعاءً مطلقًا وظفته "مصر للطيران" في غير مناسبته، كما ادَّعى ذلك الصحفي! وأخطر مِن هذا أن تخصيص النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الدعاء لركوب الدابة لم يكن إلا امتثالاً لأمر الله -تعالى- في القرآن: ( لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) (الزخرف:13) .
فإذن فالكاتب لا يعرف شيئًا عن الأذكار النبوية، وأظن أن هذا ليس بجديدٍ عليه؛ كما أنه كمن لم يقرأ القرآن مِن قبْل، أو -على الأقل- لم يكلف نفسه أن يراجع الآية من المصحف؛ فضلاً عن مراجعة تفسيرها قبل أن يُسوِّد ما سَوَّد!
- وإما أن يعترف أنه قال ذلك نفاقًا وزندقة، وطعنًا في الدين، ولكنه جبن عن التصريح بالطعن في الدين؛ فنسب الأمر إلى شركة الطيران!
2- ثم لو حاولنا أن نفترض الاحتمال الأخف، وهو أنه ظن أن هذه الأدعية مطلقة وظفتها مصر للطيران في هذا السياق باجتهاد منها؛ فإن هذا يدعونا إلى التشكك في عقل الرجل، فإنك لو علـَّمتَ طفلاً صغيرًا دعاءً يستعيذ فيه بالله من وعثاء السفر "أي تعبه"، ثم سألته: متى سوف تقول هذا الدعاء يا "حبيبي"... ؟!
فسوف يجيب على الفور: "عندما أكون مسافرًا إن شاء الله"، ولا تتصور إجابة غير هذا.
لكن رئيس التحرير هذا كان له رأي آخر.. !
3- وهذا ما يجعلنا نتشكك في كل حرف قاله؛ لا سيما أنه في غالب الظن لم تكن هذه أول رحلة له على خطوط مصر للطيران، ولا شك أنه سمع هذا الدعاء على خطوطها قبل هذا، وربما يكون ردده، وربما يكون قد انشغل في مشاهدة صور الفنانات في الجرائد التي يعمل بها، ولكنه على كل حال لم يستنكر على مصر للطيران فعلها... فلماذا قفزت هذه الأغلوطة إلى عقله النير فجأة، وهو يستعد للقفز على كرسي رئاسة تحرير جريدة هاجم رئيس تحريرها السابق الإسلام أيضًا، ولكن أسياده غضبوا عليه فجأة لما بالغ في مطالبه المالية، وأرادوا أن يعلموه أن الحظيرة فيها مِن لا يقلون عنه زندقة، ولكن يرضون بأقل مما يطلبه مِن "علف!".