سبيل الرسول والمؤمنين... الدعوة إلى دين رب العالمين
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
قال الله -تعالى-: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (المائدة:78-79) ، وقال -سبحانه-: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال:25) ، وقال -تعالى-: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (الأعراف:165) . وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغيرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَذَّبَ اللهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ ) (رواه أحمد، وحسنه الحافظ ابن حجر) .
وإذا كان الله -تعالى- قد امتدح الداعي إليه وإلى دينه وشريعته بأنه أحسن الناس قولاً، فقال -سبحانه- عنه: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (فصلت:33) ؛ فما بال مَن يمنعه؟!
ولمَ يمنعه ما دام إنما يدعو إلى الله لا لشيء آخر؟!
وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وسَّع باب الدعوة إلى الله، وحرص أشد الحرص على أن يصل النور والعلم الذي جاء به إلى الناس كافة كما في قوله: ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً )، وقوله: ( فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ )، بل ودعا -صلى الله عليه وسلم- لكل مَن بلغ شيئًا مِن سنته بأن ينضر الله وجهه -وإن لم يكن فقيهًا، ولمن بلغ حديثه وإن كان المستمع أفقه مِن المبلِّغ- فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( نَضَّرَ اللَّهُ امرءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعَى من سامِعٍ ) (رواه أحمد والترمذي وابن حبان، وصححه الألباني) - فما الظن بمن يضيِّق ما وسَّعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر الجلل "أمر الدعوة إلى الله"؟!
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ ) (متفق عليه) .
ألا فليحذر كل امرئ أن يكون سببًا في صد الناس عن الهدى والخير ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل:94) ، وإنما الواجب على كل مَن كان مسئولاً عن أمر مِن أمور المسلمين أن يقيم فيه شرع الله بما يقدر عليه. وإلى الله المشتكى!
وليعلم مَن أراد نجاة نفسه:
- أن الدعوة إلى الله نجاة مِن العذاب: ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا . قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا . قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا . إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) (الجن:20-23) . قال ابن كثير -رحمه الله-: "وَقَوْلُهُ -تَعَالَى-: ( إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: ( لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدً... ( إِلا بَلاغًا )، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: ( لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ) أَيْ: لا يُجِيرُنِي مِنْهُ وَيُخَلِّصُنِي إِلا إِبْلاغِي الرِّسَالَةَ الَّتِي أَوْجَبَ أَدَاءَهَا عَلَيَّ" (تفسير ابن كثير) .
- أن صلاح الصالحين لا يكفي في نجاتهم دون إصلاحهم، ودون قيامهم بواجب الدعوة إلى الله -تعالى-: قال الله -عز وجل-: ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ . وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) (هود:116- 117) . ولما قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ) قَالَ: ( نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ) (متفق عليه) .
- أن نجاة الإنسان من الخُسر الذي أقسم الله عليه إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، قال الله -تعالى-: ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (العصر) .