جواب على نصيحة د."سعيد عبد العظيم"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
وأما المصالح التي وصفتها بالمتوهمة: فهي واقع ملموس اعترفتَ حضرتك به في ثنايا نقدك مِن وجود الدعوة إلى الدين، وتعليم الشريعة والأخلاق. وأما المتوهمة فعلاً؛ فهي عودة د."مرسي" للحكم التي قيل إنها بعد يومين، ثم بعد أسبوع، ثم... ثم... !
ولا أدري: لو افترضنا جدلاً أنه عاد؛ فكيف يحكم؟ وبمَن يحكم؟ وقد اكتشف الإخوان فجأة أن الجيش هو جيش "كامب ديفيد"، وهو الذي كان رجاله كالذهب في خطاب د."مرسي" يوم "28-6"، وكأن "كامب ديفيد" عقدت بعد "30-6"، وأما سائر مؤسسات الدولة فحدِّث ولا حرج؛ فكيف سيعود؟ ولو عاد كيف سيحكم؟!
وأما مصادر معلوماتنا: فهي المصادر المتاحة لكل الناس؛ إلا أننا نجتهد في قراءتها بموضوعية، وأما الإخوان فسيطرة القيادات القطبية عليهم جعلتهم يعيشون في حالة مِن التواكل، وتوهم نزول النصر مِن السماء عليهم؛ فلم يحسنوا قراءة الواقع، وتعاملوا باستعلاء مع قراءتنا له؛ فلما حدث ما توقعناه صاروا يشيعون ويفترون، وللأسف حضرتك تردد معهم ما يقولون! (وبالمناسبة... قد كتب الشيخ "عبود الزمر" بعد "3-7" عدة مقالات أنه قرأ الواقع كما قرأناه، وحذرهم مما حذرناهم منه فلم يستجيبوا).
وهل كان يخفى على أحد أن تعيين نائب عام بإعلان دستوري سوف يغضب جموع القضاة؟!
وهل كان يخفى على أحد أن قانون السلطة القضائية الذي قدَّمه الإخوان لمجلس الشورى سوف يشعل مؤسسات الدولة كلها وليس القضاء فقط؟! لدرجة أن وزير عدل مرسي استقال؛ فقام الإخوان بمظاهرة للمطالبة بتغييره "ولعلها تكون المرة الأولى -وربما الأخيرة- التي يتظاهر فيها أنصار الحزب الحاكم ضد وزير في حكومتهم!".
وهل كان يخفى أن بيان الجيش بالمهلة أسبوعًا هو إعلان أن الجيش لن يقف متفرجًا أكثر مِن هذا، وهو البيان الذي فسَّره الإخوان أن الجيش يوجهه للمعارضة ورحبوا به غاية الترحيب؟! وهذا مِن جهةٍ: غباءٌ سياسي في قراءة البيان، ومِن جهة أخرى: ميكافيلية؛ حيث رحبوا بتدخل الجيش في الحياة السياسية لما ظنوا أن البيان موجَّه للمعارضة، ثم عادوا وجعلوا غاية ما يفعلون الآن هو خروج الجيش مِن الحياة السياسية، وهذا البيان بُني عليه مهلة الـ 48 ساعة، والتي حينها تحوَّلنا نحن مِن المطالبة بتغيير الحكومة إلى دعوة الرئيس للانتخابات الرئاسية المبكرة، ومع هذا ظل الإخوان يشيعون أن المقصود مِن البيان هي المعارضة، ثم جاء بيان "3-7".
ولذلك فنحن نقول: إن بيان "3-7" مبني على بيان صدر وسط ترحيب وإقرار من د."مرسي" وليس ذنب جميع الناس أن الإخوان خدعوا أنفسهم بأنفسهم؛ لأنهم أشاعوا أن هذه البيانات كانت مؤيدة لهم، ثم عادوا لاحقًا ليقولوا: إنهم كانوا يعرفون حقيقتها، ولكنهم راهنوا على المجتمع الدولي، فمن إذن الذي استقى معلومات مِن جهات مشبوهة، وبنى عليها مواقفه وحساباته، وجرَّ معه مَن وثق به إلى تلك المفاسد! وأما معلوماتنا فكما ترى معلومة للقاصي والداني كنا نقرأها وننقل لهم قراءتنا لها؛ فأهملوها وتعالَوْا عليها.
6- قولك: "لقد صرَّح بعضهم وقال: لا تتكلموا بالشرع، وإنما تكلموا بالمصلحة!": حبذا لو كنتَ سميتَ لنا هذا البعض، وأين قال هذا الكلام؛ لأنه لم يصدر هذا عن أحدٍ عندنا -بفضل الله-، وهو أقرب إلى تصريحات الإخوان.
7- قولك: "وقديمًا قالوا: مصلحة الدعوة صنم يعبده بعض الدعاة إلى الله، وقالوا: ما عُصي الله إلا بالتأويل... !": لا شك أن حضرتك ترى وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وأن حضرتك كنتَ ترى معنا أن الإخوان متوسعون في هذا الباب، وكنتَ كثيرًا ما تعلـِّق على أقوالهم وأفعالهم بهذا القول الذي حكيتَه هنا. وفي الجهة الأخرى: كنتَ ترى معنا أن تيارات الصدام لا يقرون بهذا الأمر أو لا يحسنون تطبيقه، وبالتالي فالمبدأ مبدأ شرعي، وأما التطبيق: فكنا نتمنى مِن حضرتك أن توازِن بيْن مسار اعتصام "رابعة"، ومسار الحفاظ على الدولة والدعوة معًا، بغض النظر عن المسار السياسي الذي تراه قد يشغل عن المسار الدعوي؛ ليتبين مَن الذي طبـَّق تلك القواعد بطريقة صحيحة، ومَن الذي طالب الشباب بأن يموتوا في سبيل أوهام؟!
إن تكرار ذكر قاعدة: "المصلحة والمفسدة" في سياق السخرية أمر في غاية الصعوبة، وحضرتك تعلم كيف جعل العز بن عبد السلام وابن القيم -رحمهما الله- وغيرهما مِن أهل العلم أن هذه القاعدة هي القاعدة الأم في باب السياسة الشرعية، بل جعلها العز بن عبد السلام هي القاعدة الأم في التشريع ككل؛ فلماذا تذكرها في سياق الذم بدلاً مِن بيان ما ترونه خطأ في طريقة تطبيقها ونحن نجيب عليه -بإذن الله-؟!
ولعل هذا يجعلني أشير إلى قول حضرتك: "استمرأتم أكل الميتة"، وحضرتك تعلم أن أكل الميتة للمضطر حكم شرعي يجب علينا أن نحترمه ونقبل به، فإذا وجدنا مَن يأكل الميتة بغير اضطرار أنكرنا عليه، وأما أن يتحول الأمر إلى نوع مِن السباب والتنابز بالألقاب "يا آكلي الميتة"؛ فالأمر في هذه الحالة أخطر مِن مجرد التنابز بالألقاب الذي صار أهون ما يفعله الإخوان معنا ومع غيرنا، بل يتعداه إلى السخرية مِن حكم شرعي.
8- قولك: "وبعد إهلال موسم الانتخابات تسمعهم يتكلمون عن الدفاع عن الإسلام والشريعة بلا حمرة خجل مِن المخلوق والخالق!": لا أدرى أين حقوق الأخوة التي أشرتَ حضرتك إليها في أول كلامك حينما تطعننا في نياتنا وكأن الدفاع عن الدين لا يأتي إلا في أيام الانتخابات؟! وأذكِّر حضرتك مرة أخرى بما تقدم ذكره على لسانك: "فخطابهم الديني في المسجد فيه الحلال والحرام، والعقيدة والشريعة"، بالإضافة إلى المواقف التي سردتها لك.
الفقرة الرابعة: