شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليق على بحث "مستقبل السلفية السياسية في مصر وتونس"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

لقد خاب أمل الشباب القريبين من السلفية الجهادية، فهم يتّهمون النهضة بخيانة المشروع الإسلامي بعد فشله في الإشارة إلى الشريعة الإسلامية كمصدرٍ للتشريع في الدستور، إضافةً إلى ذلك ما يثير غضب الشباب القريبين من السلفية الجهادية هو أن النهضة سعى إلى المصالحة مع رموز النظام السابق مِن خلال قبول المشاركة في حكومة ائتلافية مع حزب نداء تونس الذي يضمّ عددًا من العلمانيين وأعضاءً يُعرف عنهم أنهم قريبون مِن النظام السابق، واتهمت بعض الأصوات السلفية الجهادية علنًا حزب النهضة بأنه جُرم يدور في فلك الولايات المتحدة، وانحرف عن مسار المشروع الإسلامي ويسعى إلى إرضاء بلدان الغرب حتى على حساب الإسلام وأحكامه.

بدأت السلفية الجهادية في تونس تشكّل تحديًّا بارزًا للأحزاب السلفية مع تأسيس حركة أنصار الشريعة في العام 2011 التي أعلنتها الحكومة منظمة إرهابية في آب / أغسطس 2013، حتى ذلك الحين حققت حركة أنصار الشريعة شعبية كبيرة في صفوف الشباب السلفيين مِن خلال عملها الذي يتضمّن المطالبة بالتغيير السياسي والنشاط الدعوي والاجتماعي، وبحسب بلال الشواشي وهو شخصية بارزة في الحركة السلفية الجهادية، إن أنصار الشريعة هو حركة رائدة في جذب الشباب الإسلاميين مقارنةً مع الحركات والأحزاب الإسلامية الأخرى، وهذا الأمر يعود إلى أن الحركة لا تنخرط في العمل السياسي الذي يرتبط عادةً بالمساومة مع قوى النظام السابق التي يرفضها الشباب الثوري، إضافةً إلى خطاب التغيير الراديكالي الذي تتبنّاه الحركة، ويجد صدى لدى هؤلاء الشباب.

إذا ما أرادت تجاوز هذا التحدّي، يتعيّن على الأحزاب السلفية العمل مع التيارات المتطرّفة بغية إعادتها إلى العمل السياسي السلمي، هذا الأمر يتطلّب خطوتين أوليتين: مِن ناحية: عليها العمل على إعادة هيكلة صورتها لاستعادة مصداقيتها في المحيط الديني. ومِن ناحية أخرى: عليها طرح مشروع سياسي يوفّر مداخل جديدة تمكّن الشباب مِن المحافظة على قيم الشريعة الإسلامية من خلال العمل السياسي السلمي.

وترتبط هذه القضيّة أيضًا بحاجة الأحزاب السلفية إلى توسيع نطاق تعاملها مع الدوائر الإسلامية الأخرى أو حتى غير الإسلامية، بدل التقيّد بالسلفية وحسب، وعلى الرغم أنه مِن المنطق أن تبقى الكتلة السلفية المرتكز الرئيس للأحزاب السلفية، إلا أنه يجب على هذه الأخيرة التواصل مع قطاعات أخرى من المجتمع تستطيع أن تجد في منهجها سببًا لدعمها.

إشكالية العلاقات بين النشاط الدعوي والنشاط السياسي:

تحتاج الأحزاب السلفية الأبرز في مصر وتونس إلى أن تجد توازنًا ملائمًا بيْن دورها السياسي وبين نشاطاتها الدينية؛ إذ أن غياب الحدود الواضحة بيْن الدين والسياسة يُلحق الضرر بهذه الأحزاب.

فحزب النور في مصر يواجه أزمة ترتبط بالعلاقة بيْن الحركة الدينية والحزب السياسي؛ إذ تحاول الحركة الدينية فرض رؤيتها على الحزب السياسي مِن خلال التدخل في شئونه الداخلية.

بدأت الأزمة بيْن السياسة والدين عندما أشاد الناطق باسم حزب النور، محمّد يُسري سلامة، بالروائي المصري نجيب محفوظ، الذي ترى بعض الشخصيات السلفية أنه أهان الدين، وحاول سلامة العمل مع قوى غير سلفية وثورية ما أدى إلى استياء الدعوة السلفية، فأحالته إلى هيئة تحقيق تابعة لها بدل تلك التابعة إلى حزب النور، لم يوافق سلامة على هذه الخطوة، واستقال مِن منصبه كناطقٍ رسمي باسم الحزب علاوةً على ذلك حاول بعض أعضاء الحزب ومِن بينهم رئيس الحزب نفسه وضع قواعد واضحة لإدارة العلاقة بيْن الحركة الدينية والحزب غير أن محاولتهم باءت بالفشل فقرّروا الخروج مِن حزب النور.

تواجه الأحزاب السلفية في تونس التحدّي نفسه، لكن في سياق مختلف، فعلى عكس حالة حزب النور حيث تتدخل الحركة الدينية في أعمال الحزب السياسي، لا يزال أعضاء حزب جبهة الإصلاح يحاولون تحديد طبيعة علاقتهم مع المحيط الديني، وإلى أي مدى يمكن أن يكون للحزب أو أعضائه دورٌ ديني.

لعلّه من الصعب تحقيق فصل تام بين الدين والسياسة، لكن غياب الحدود الواضحة تؤثّر سلبًا على كليهما؛ إذ أنّ تدخّل شخصيات سياسية في المجال الديني يحدّ مِن مصداقية خطابها وأنشطتها الدينية، هذا في حين أن تدخّل الشخصيات الدينية في الشأن السياسي يجعل العمل السياسي يبدو عرضةً إلى التلاعب.

مِن الضروري خلق نوع من التمييز بين المجالين الديني والسياسي فيما يتمّ التسليم بأنه من غير الممكن الفصل التام بينهما، أمّا النقطة المحورية في هذا الشأن فيجب أن تكون التمييز المؤسسي بين المجالين وأنشطتهما، وفي خاتمة المطاف، يساعد هذا الأمر لاحقًا الحزبين على تعزيز صورتهما كفاعلين سياسيين مستقلّين لا تتلاعب بقراراتهما حركات أو شخصيات دينية، ولا تتدخّلا بالمجال الديني في الوقت نفسه بغية إحراز مكاسب سياسية.

غياب الرؤية السياسية للدولة:

أتى قرار الأحزاب السلفية بالخوض في أنشطة سياسية نتيجةً للفرص التي وفّرها المناخ السياسي الجديد بعد الربيع العربي غير أن أنشطتها السياسية بقيت على مستوى القبول بالآليات، كذلك لم تنتقل هذه الأحزاب إلى مستوى وضع تصور سياسي شامل يتضمّن رؤية السلفية لشكل الدولة وعلاقتها بالشريعة.

ويعود السبب جزئيًّا إلى الانخراط المتسرع للأحزاب السلفية في العمل السياسي مِن دون أخذ الوقت الكافي للتفكير بصياغة مشروع سياسي، هذا إضافةً إلى أن مشاركتها المباشرة في الانتخابات المتتالية لم تُتِح لها الفرصة للتفكير بهذا المشروع، علاوةً على ذلك، للأحزاب السلفية رؤية ضيّقة لمفهوم الدولة، وهي غالبًا ما تخلط بينه وبين مفهوم النظام السياسي، في حين أن الدولة الحديثة تتجاوز مثل هذه الرؤية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية