شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الجهاديون الأوروبيون... و"داعش" (1)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

ورغم أن المسلمين في أوروبا ليسوا نسبة كبيرة مِن مجموع السكان، لكن الدعاية اليمينية تدعي أن المسلمين في تزايد كبير يُنذر بقرب ظهور دول إسلامية أو يحكمها مسلمون في أوروبا، وهذا مما لا يقبله الأوروبيون ولا يتصورونه؛ مما زاد مِن تأجج مشاعر الكراهية للمسلمين الأوروبيين هناك، ولا غرابة أن يتسبب ذلك في رد فعل وعنف مضاد، حتى بيْن الأوروبيين أنفسهم ممن يتعاطفون مع المسلمين؛ لما يتعرضون له مِن اضطهادٍ وانتهاكاتٍ واعتداءاتٍ في أنحاء كثيرة مِن العالم، وتتناقلها وكالات الأنباء العالمية هناك، وتستغل الحركات اليمينية أي مظهر مِن مظاهر العنف المضاد؛ لزيادة الترويج لأهدافها.

وقد ساعدتْ هذه الظروف دعاة الفكر الجهادي في تنظيم ما يُعرف باسم "داعش" -الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام- على القيام باستقطاب وجذب الشباب الأوروبي إلى صفوفها باعتناق فكرها أولاً، والانضمام إلى صفوفها والقتال معها ثانيًا ، ونجحتْ في ذلك إلى حدٍ كبير في ظل قناعاتٍ متعددة ومختلفة مِن الرغبة في الخروج مِن مادية الحياة الأوروبية ونظرتها المادية الفردية الأنانية إلى عالم مِن الروحانية والفكر الجماعي، أو الرغبة في معاداة الغرب بعنصريته المتزايدة ورفضه للآخر، والتي معها لا يستطيع المسلم أو المسلمة إظهار شرائع دينه إذ تمنعه الدولة وتوقفه، أو يتعرض للسخرية والتوبيخ، مع ما يتعرض له المسلمون مِن التطهير العرقي في أوروبا، والانتهاكات الصارخة والاحتلال العسكري خارجها بما يقوي الشعور لديهم بأن المسلمين مضطهدون، ويتعرضون لهجمةٍ شرسة هي في نظرهم تمثـِّل حربًا بيْن معسكر الإيمان ومعسكر الإلحاد.

ويوجِّه أتباع "داعش" دعايتهم للشباب عامة، والأوربيين خاصة باللغات الأوروبية الشائعة إلى جانب اللغة العربية، ومِن خلال العديد مِن الوسائل المتنوعة خاصة الإنترنت؛ لجذب الشباب المشارك في مجتمع الإنترنت للانتماء لفكرهم، ثم حثهم على الانتقال إليهم والقتال في صفوفهم عن طريق حزمة متكاملة مِن وسائل الاتصال الاجتماعي المختلفة، وقد قطع "الداعشيون" في هذا المجال شوطـًا كبيرًا وبصورة مبهرة تدل عليها أمور كثيرة.

منها:

- كثرة هذه الوسائل وتنوعها؛ مما يجعلها تصل إلى أعدادٍ كبيرة مِن المتعاملين مع الإنترنت.

- تملكهم لقنواتٍ تلفزيونية، وفتحهم لصفحاتٍ عديدة على الإنترنت.

- بثهم مقاطع فيديو عالية الدقة، وصفها البعض بأنها في جودة أفلام هوليود، واستخدامهم الصورة بأعلى تقنية ممكنة، والتي ترصد مِن خلالها المعارك والانتصارات والإعدامات التي يقوم بها التنظيم، مع عرض أسلحته ومعداته العسكرية وتقنياته، وسياراته الحديثة، ويطلق التنظيم على مقاطع الفيديو هذه اسم: "صليل الصوارم".

- إصدارهم "مجلة دابق" الإلكترونية، وبلغاتٍ عديدة، والتي تتميز بالقدرة التحريرية في اختيار الصفحات وحجمها، وأسلوبها الجذاب على المستوى البصري حيث تشغل الصور أكثر المجلة، وتوضع المادة المكتوبة على شكل أعمدة تفصل بيْن الصور، أو تكون الصور في خلفيتها، وأحيانًا تحتل صور كبيرة صفحتين متصلتين.

- استخدامهم الآليات الرقمية الحديثة.

- الحرص على التوثيق للسير الذاتية، وما يقوم به المحاربون الأجانب المشاركين في المعارك التي يخوضها التنظيم.

- فتح صفحات لشيوخ التنظيم المعتمدين ممن لهم مكانة عند المؤيدين والمتعاطفين تحمل خطبهم ودروسهم، ومنها ما هو بالإنجليزية التي يجيدها العديد منهم.

- ويزيد الأمر تأثيرًا وجود داعمين للتنظيم ليسوا مِن مقاتليه، ولا ممن هم على صلة مباشرة بالتنظيم، ولكنهم يقومون بنشر المعلومات مِن ساحات القتال مباشرة، مصحوبة بالصور والتصريحات ممن يدعمون التنظيم بذلك ماديًّا وسياسيًّا، وهم يجيدون اللغات الأوروبية المتعددة ينشرون بها دعمهم.

- تنوع محتوى تلك الأعمال المبثوثة، والتي تساهِم بتنوعها في جذب المهتمين والمتطلعين إلى المعرفة والمعلومات، فمنها: محتوى ديني فقهي يتناول الفتاوى والأحكام التي يطلقها شيوخ التنظيم يبررون بها أعمالهم ومواقفهم.

ومنها: تقارير ميدانية مِن ساحات القتال، والأحداث المرتبطة بها.

ومنها: الحوارات التي يشارِك فيها المنتمون للتنظيم.

ومنها: ما ينقل صورًا مِن الحياة اليومية للمقاتلين مِن التنظيم.

ومنها: رسائل التهديد الموجهة للخصوم.

وقد حقق تنظيم "داعش" عن طريق هذه الوسائل مِن الدعاية والجذب والتوجيه أهدافـًا عديدة، ومكاسب كثيرة، منها:

1- كسب الاهتمام وجذب الأنظار إليه، والتعريف بفكره وأحواله، سواء داخل العالم الإسلامي أو في الدول الغربية.

2- الرد على الدعاية المعادية للتنظيم.

3- إبراز قوته وقدراته العسكرية وسيطرته على الأرض.

4- التواصل المباشِر مع أنصاره ومؤيديه.

5- تخويف معارضيه.

6- التواصل مع سكان المدن والقرى الواقعة تحت سيطرته.

7- تجنيد أعضاء جدد، وكسب المزيد مِن المؤيدين والمتعاطفين، ومنهم متبرعون، ومنهم مَن يجمع الأموال مِن المتبرعين ويتولى إرسالها للتنظيم.

وقد بدأتْ مواقع للتواصل الاجتماعي في إغلاق العديد مِن الحسابات والقنوات التابعة لتنظيم "داعش"؛ فقد أعلنتْ إدارة موقع التليجرام في شهر نوفمبر الماضي أنها أغلقت أكثر مِن 600 قناة عاملة للتنظيم، وقد لجأتْ أيضًا بعض الدول العربية إلى حظر بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي ينتشر فيها الفكر الداعشي؛ لمنع انتشاره، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.

ويُعد المجندون الجدد مِن الجهاديين الأوروبيين مِن الروافد المهمة لتنظيم داعش، يجتذبهم إليه بما يتأثرون به مِن الدعاية الموجهة مِن التنظيم وشيوخه وأعضائه، ومِن أقاربهم المؤيدين للتنظيم أو مقتنعين بفكره، أو مِن المنبهرين بأعماله، ومِن هؤلاء نسبة كبيرة مِن الأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام، ثم تأثروا بفكر داعش، ومنهم أعداد ليستْ قليلة التحقت بالفعل بالتنظيم، وشاركتْ في أعماله القتالية في العراق وسوريا.

وتأتي فرنسا وبريطانيا وألمانيا وهولندا في مقدمة الدول الأوروبية التي يأتي منها الجهاديون الأوروبيون إلى داعش إلى جانب روسيا.

وغالب هؤلاء المجاهدين الأوروبيين مروا بمراحل، منها:

الصفحة السابقة الصفحة التالية