في فقه الخلاف: "قاعدة نبوية"، وأخرى يُسمونها ذهبية! ودرس حوثي بليغ
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وفي الواقع هذا الأمر منصوص عليه في قوله -تعالى-: ( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتِ ) (البقرة:213) ، وبهذا النص عرفنا متى يكون المخالف باغيًا ونرده عن بغيه، وننكر عليه كما في حديث: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: ( تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) (متفق عليه) ، فهذا بالنسبة للذي يُخالِف البيِّنات، أما الذي يُخالِف في دليل محتمل فلا بد أن نحتمله، وهذه هي خلاصة القاعدة النبوية أو القاعدة السلفية في فقه الخلاف، ليسعنا ما وسع السلف، ولا يسعنا ما وسع السلف، يسعنا الخلاف إذا لم يكن ثمة بيِّنات، ولا يسعنا الخلاف إذا كان هناك بينة.
خلاف التنوع:
ولكي تُستَكْمَل الصورة نضيف قسمًا ثالثًا الخلاف فيه غير مذموم أصلاً، وهو ما يقبل التعدد ابتداءً لو استصحبنا نفس المثال السابق، فهذا الكائن إن كان عنزًا لا يصح أن يكون طائرًا، وإن كان طائرًا لا يصح أن يكون عنزا؛ لذا إن كان هناك بيِّنة اخترنا ما دلَّت عليه البيِّنة ونلتزم بها، وإن لم يكن هناك بيِّنة فكل واحد يختار ما يترجَّح له باجتهاده، لكن لا يصح أن نقول: إنها عنز وطائر في آن واحد؛ فالقول بأن الحق يتعدد في المسألة الواحدة سفسطة مُخالِفة للعقل، لكنَّ هناك أمورًا بطبيعتها تحتمل التعدد؛ ففي المثال السابق لو أن هذا الرجل يقول: مررت من هنا فوجدت عنزًا، وقال الآخر: مررت من هنا فوجدت طائرًا، نقول: كلاهما صحيح؛ فعندما مرَّ الأول كان هاهنا عنزًا، ولما مرَّ الثاني كان العنز قد ذهبت، وحل مكانها طائر، فلا يوجد خلاف حقيقي، وكل منهما صادق؛ فكل منهما يحكي عن وقت غير الآخر.
فهناك مسائل بطبيعتها لو تأملتَ فيها عقلاً تحتمل التعدُّد؛ كأن يحكي أحد الصحابة صيغة للتشهد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحكي صحابي آخر صيغة أخرى للتشهد، فهذا صادق وهذا صادق، هذا ثبت وهذا ثبت، فما المانع أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قرأها بصيغتين مختلفتين؟ فهذا يُسمَّى خلاف التنوع؛ فتقبل الروايتين وتقبل الصيغتين.
تلخيص أنواع الخلاف:
نعود إلى فقه الخلاف ونقول: إن الخلاف ثلاثة أنواع في الواقع، ويمكن أن نقول نوعين: تضاد، وتنوع، والتضاد ينقسم إلى نوعين: تضاد سائغ، وتضاد غير سائغ؛ فإذا وُجدت البيِّنات كان تضادًا غير سائغ ينكر فيه على المخالف ويغلظ عليه، أما التضاد السائغ فيوجد فيه دليل، لكن لا يرتقي إلى البيِّنة؛ فيحتمل فيه الخلاف كما كان الخلاف بين المذاهب الأربعة وغيرهم من أئمة العلم والسنة الأوائل.
الخلل الذي وقع في هذا الباب:
ما المشكلة التي وقعت في هذا الباب؟ المشكلة أن البعض أخذ طرفًا بدلاً من أن يقول بالتفصيل، وأن هناك اختلافًا يُحتمل واختلافًا لا يحتمل، فبدلاً من ذلك أعطاه كله حكمًا واحدًا؛ ففريق تبنَّى المبالغة في الذم والإنكار لكل خلاف، وبالتالي شرذموا الأمة، وجعلوا الخلافات المذهبية بين أئمة كبار، كان كل منهم يحتمل الآخر، وبعضهم كان تلميذًا للآخر - جعلوها معارك تفتت الأمة وتشتتها، فهذا فريق.
وأما الفريق الآخر فقال: لكيلا نفرق الأمة فلنجعل كل الخلاف محتملاً، ووضع هذه القاعدة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه" فنقول له: هذه القاعدة على الإطلاق هكذا خطأ، بل لا بد أن نضع قيدًا فتكون هذه القاعدة في "الخلاف السائغ" دون غيره.
القاعدة المُسمَّاة بالذهبية بيْن خطأ التنظير وكارثية التطبيق:
مثال عملي: "التقريب بين السُّنَّة والشيعة":
شبهة: يقول بعضهم: افترض أن قيد هذه القاعدة -الخلاف السائغ- موجود بالفعل، بدلاً من تخطئة سين وصاد مِن أناس بذلت في سبيل الدعوة ما بذلت وأنهم لم يقصدوا إغفال هذا القيد!
والجواب: هذا الكلام لا بأس به، وكان يمكننا أن نقول به لو كان عدم التقييد نظريًّا فقط، لكن الكارثة هي في التطبيق العملي، ويا ليت أن مَن وضع هذا الكلام وأطلقه قيده عند التطبيق! فلو فعل ذلك لقلنا: لعله كان يُريد هذا القيد، لكن فاته النص عليه، لكن الكارثة تظهر في التطبيق، وأنه كان بالفعل مطلقًا وطُبق على شر أهل البدع "وعلى رأسهم الشيعة!"، واكتوت الأمة بهذا الأمر كما نرى الآن!
فهذا درس نريد أن نتوقف عنده -ونحن استفدنا درسًا مما يفعله الشيعة الآن-: فباختصار نقول: إن إطلاق هذه القاعدة خطأ، بل لا بد أن تحمل على الخلاف السائغ فقط، أما الخلاف غير السائغ فيذم فيه أهل البدع والأهواء، ويحذر منهم ويُدعون إلى السنة؛ لأن هذه هي القاعدة النبوية، ولأن في عكسها مفاسد عظيمة.
منها:
1- أنها خيانة لأهل البدع أنفسهم، فقائل هذا الكلام يخدعهم عندما يقول لهم: إن الخلاف بيْن السنة والشيعة كالخلاف بين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد! فهو يخدعهم؛ لأنه يتركهم يسبون الصحابة ويفعلون المنكرات، ويقول لهم: أنتم مثلنا!