التكفير: "النشأة والتطور" (خطبة مقترحة) (2)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
وقال الإمام النووي في شرح مسلم: "قال القاضي: فيه تأويلان، أحدهما: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق؛ إذ بهما تقطيع الحروف، والثاني: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة، ولا يتقبل!". مع أنه في ظاهره عمل صالح! نسأل الله الإخلاص والقبول.
3- محاولات الإصلاح والتقويم:
أولاً: دور العلماء:
- التنظير وإقامة الحجة ورفع الشبهة: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه لما ذهب إلى الخوارج ليناظرهم، قال: "قلتُ: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وختنِه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثًا. قال: وما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله: ( إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) (الأنعام:57) ، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله -عز وجل-. قال: قلت: وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم؛ لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم. قال: قلت: وماذا؟ قالوا: محا نفسه مِن أمير المؤمنين. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: قلت أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.
قال: أرأيتم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما لا تنكرون "ينقض قولكم" أترجعون؟ قالوا: نعم. قال: قلت: أما قولكم: حكّم الرجال في دين الله، فإن الله - تعالى- يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (المائدة:95) . وقال في المرأة وزوجها: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ) (النساء:35) . أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم، وفي بضع امرأة؟! وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال. قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وإصلاح ذات بينهم. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم! أتسبون أمكم عائشة، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست أم المؤمنين فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (الأحزاب:6) ، فأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم؟ أخرجت من هذه؟ فنظر بعضهم إلى بعض. قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا قريشًا يوم الحديبية أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فكاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان، فقال: اكتب يا علي هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله حقـًّا وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أفضل من علي -رضي الله عنه- وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا على ضلالة" (أخرج عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه وغيره) .
ثانيًا: دور الأمراء:
- الترهيب من انتهاك الحرمات والاستعداد للردع بعد مشاورة العلماء الثقات: أرسل إليهم علي -رضي الله عنه-: "إن لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا" (تاريخ الطبري) .
وكتب علي -رضي الله عنه- إلى الخوارج بالنهروان: "أما بعد، فقد جاءكم ما كنتم تريدون، قد تفرق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فارجعوا إلى ما كنتم عليه. فأجابوه أنه لا يجوز لنا أن نتخذك إمامًا وقد كفرت، حتى تشهد على نفسك بالكفر وتتوب كما تبنا، فإنك لم تغضب لله، إنما غضبت لنفسك! فلما قرأ جواب كتابه إليهم يئس منهم" (البلاذري في أنساب الأشراف) .
4- التكفير لعموم المسلمين وإعلان الحرب عليهم:
- انعزالهم عن المجتمع بعد تكفيره والانحياز إلى أرض يقاتلون منها المسلمين: ذكر ابن كثير -رحمه الله- في البداية والنهاية: "وقام رجل منهم يقال له حرقوص بن زهير، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون ) (النحل:128) ، وقام رجل يقال له عبد الله بن سخبرة السلمي وقال في كلامه: اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قُتلتم فأي شيءٍ أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته؟!".
- هكذا زين لهم الشيطان أعمالهم: قال الله -تعالى-: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) (الكهف:103-104) .
5- استحلال دماء المسلمين وأعراضهم: