مناقشات في التمذهب (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا الْبُخَارِيُّ؛ وَأَبُو دَاوُد فَإِمَامَانِ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ . وَأَمَّا مُسْلِمٌ؛ وَالتِّرْمِذِي؛ وَالنَّسَائِي؛ وَابْنُ مَاجَه؛ وَابْنُ خُزَيْمَة؛ وَأَبُو يَعْلَى؛ وَالْبَزَّارُ؛ وَنَحْوُهُمْ؛ فَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَيْسُوا مُقَلِّدِينَ لِوَاحِدِ بِعَيْنِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا هُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هُمْ يَمِيلُونَ إلَى قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ؛ وَأَحْمَد؛ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ وَأَمْثَالِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ كَاخْتِصَاصِ أَبِي دَاوُد وَنَحْوِهِ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَهُمْ إلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحِجَازِ -كَمَالِكِ وَأَمْثَالِهِ- أَمْيَلُ مِنْهُمْ إلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ -كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ-. وَأَمَّا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى فَأَقْدَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ مِنْ طَبَقَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ؛ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ الواسطي؛ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد. وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ؛ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ؛ وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ؛ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ؛ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ؛ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ طَبَقَةِ شُيُوخِ الْإِمَامِ أَحْمَد. وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يُعَظِّمُونَ السُّنَّةَ وَالْحَدِيثَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمَا كَوَكِيعِ؛ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ: مَالِكٌ وَنَحْوُهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. وَأَمَّا البيهقي فَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ مُنْتَصِرًا لَهُ فِي عَامَّةِ أَقْوَالِهِ. وَالدَّارَقُطْنِي هُوَ أَيْضًا يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَئِمَّةِ السَّنَدِ وَالْحَدِيثِ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ فِي تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ كالبيهقي مَعَ أَنَّ البيهقي لَهُ اجْتِهَادٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ وَاجْتِهَادُ الدارقطني أَقْوَى مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ وَأَفْقَهَ مِنْهُ... ثم أجاب عن باقي الجزئيات".
وفي هذا رد على مَن يزعم أن علماء الأمة منذ زمن الأئمة كانوا كلهم متمذهبين، وأنت ترى أن مِن الأئمة مَن لم يكن متمذهبًا، ومنهم مَن كان ينسب إلى مذهب لقرب طريقته مِن طريقتهم، وإن كان في حقيقته مجتهدًا مطلقًا، ومنهم مَن كان متمذهبًا، ولكن في الإطار الصحيح للتمذهب.
هذا وقد نشأت مدرسة جديدة أرادت إحياء مدرسة أصحاب الحديث الأولى في دراسة الفقه بدون الالتزام بمذهب معين، وبالاعتماد بشكل أساسي على شروح كتب الحديث، وهي تجربة كان لها الكثير مِن الفوائد لولا تأثر روادها: (الصنعاني - الشوكاني - صديق حسن خان - الألباني) بفقه الظاهر، ومع هذا نفع الله بها وبمحاربتها للتقليد حتى عدَّ الأستاذ "محمود شاكر" في رسالة: "الطريق إلى ثقافتنا" أن "الشوكاني" عَلَم مِن أعلام النهضة الإسلامية جنبًا إلى جنب مع "محمد بن عبد الوهاب"؛ لا سيما في جانب محاربته للتقليد، وهو في هذا الباب قد ضرب مثالاً عظيمًا للتجرد حينما ترك مذهبه الزيدي وانتصر لمذهب السلف في العقيدة.
ومما قاله العلامة "محمود شاكر" في معرض ذكر أعلام النهضة الإسلامية: "وهبَّ الشوكاني الزيدي الشيعي محييًا عقيدة السلف، وحرَّم التقليد في الدين، وحطم الفرقة والتنابذ الذي أدى إليه اختلاف الفرق بالعصبية".
ومِن ضمن سلسلتنا تلك سيكون هناك -إن شاء الله- مقال عن المدارس الفقهية الرئيسية الثلاث: "أصحاب الرأي - أصحاب الحديث (مالك والشافعي وأحمد) - أهل الظاهر"؛ بالإضافة إلى مدرسة أصحاب الحديث غير المتمذهبين قديمًا وحديثًا، والتأثير والتأثر المتبادل بينهم وبيْن أهل الظاهر.
ولعل هذا العرض يوصلنا إلى قواعد ضابطة عن اختيار منهج للدراسة الفقهية نذكرها هنا في غاية الاختصار على أن نفرد لها مقالة خاصة -بإذن الله تعالى-.
فنقرر الآتي:
- طالما بقي الأصل: "الرجوع إلى الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة"، وأصل: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وأصل: "لا يحل لأحدٍ استبانت له سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعها لقول أحدٍ مِن الناس" - تبقى طرق الدراسة والمذاكرة متنوعة، ولكل منها فوائد ليست للأخرى، تقابلها محاذير ليست في الأخرى، وينبغي للدعوات الشاملة أن تكون عندها مناهج دراسية متنوعة تناسِب مختلف الهمم والاستعدادات، وينبغي متى اختيرت طريقة طلبًا لفوائدها أن نحتاط مِن محاذيرها؛ لا سيما إذا كانت قد سَبقتْ تجارب مماثلة، ووُجدت تلك المحاذير.
إذا درسنا مِن كتب المذاهب: فلا بد مِن التأكيد على ذم التقليد، وترك الفرصة لمن يستطيع مطالعة كتب الخلاف والفقه المقارن للاطلاع والفهم، وتعظيم الدليل؛ طالما كان محصورًا في أقوال العلماء المعتبرين.
قال الشيخ "حمد بن ناصر بن معمر" مِن كبار علماء الدعوة الوهابية: "وقول السائل، وفقه الله: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل، الناص على كل مسألة؟