شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليقًا على مناظرة "خيري - الأزهري - الجفري - البحيري"... اللقاء كشف العوار!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

دخل البحيري مع مناظريه في جدل في غاية الخطورة حول "البخاري" وغيره مِن كُتُب السُّنة: هل هي كتب تاريخ أم لا؟ وكم أشفقت على المشاهد المسكين حينما يتناظر الطرفان في قضية دون أن يوضحا للمعنيين بالمناظرة ما يسميه أهل العلم بـ"ثمرة الخلاف"، وهو ما أريد أن أوضحه للقارئ: فالسنة في اصطلاح أهل العلم هي: كل ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن قول أو فعل أو تقرير؛ فيدخل فيها سيرته ومغازيه -صلى الله عليه وسلم-، ولكن عمل الأمة منذ عصر الصحابة فمَن بعدهم قد استقر على الاهتمام بكل ما له جانب تشريعي؛ فاعتنى الصحابة بتحديث التابعين به، واعتنى التابعون بنقله إلى تابعيهم إلى أن دُونت سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بينما لم يعتنِ الصحابة والتابعون في بداية الأمر ذات العناية بالسِّير؛ فتجد تواريخ الغزوات والوقائع المهمة يُروى فيها عدة تواريخ؛ لعدم ترتب تشريع عليها.

ثم جاء المحدِّثون فتركوا السير تعالَج بمنهج المؤرخين في التنقيح، وهو مدى منطقية الأحداث المروية، ومن النواحي الزمانية والمكانية، ومجمل الأحوال المعروفة عند كل شخصية، بخلاف السنة التشريعية والتي لم يقبلوا فيها إلا ما كان مِن رواية العدل الضابط عن مثله مِن غير شذوذ، ولا علة.

وكانت إحدى الثغرات حيث تسربت الروايات التي لا سند لها إلى كتب السيرة، ثم تسربت الإسرائيليات وتهاون العلماء معها مِن باب أنها من جملة التاريخ الذي لا حرج مِن التوسع في روايته، ثم جاء الزنادقة، وجاء المستشرقون، وجاء "البحيري"... وتعمدوا تصدير روايات كتب التفسير والسيرة غير المسندة وغير المنقحة مِن باب الطعن تارة -كما في قصة الغرانيق-، أو تقديمًا لها على الروايات المسندة المنقحة في بعض الأبواب التي لهم فيها هوى، ومنها: "صنيع البحيري في سن عائشة -رضي الله عنها-".

والخلاصة: أن كل معلومة يترتب على إثباتها عقيدة أو خطاب تكليفي فيجب أن يُطبَّق بشأنها قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات:6) ، وما كان مما لا يترتب عليه عمل فيطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) (رواه البخاري) ، وقوله: ( لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ ) (رواه البخاري) ، وتطبيق هذا على عجائز المسلمين الذين بدأ ابن إسحاق جمعه للسيرة منهم مِن باب أولى، ذلك أن ابن إسحاق رأى أن جلَّ اهتمام التابعين وتابعيهم متجه إلى الأخبار التي يترتب عليها تشريع؛ فعمد إلى جمع الأخبار التي تمثـِّل تفاصيل السياق التاريخي للسيرة النبوية منهم، وتعامل العلماء معها بالطريقة المشار إليها آنفًا.

ثم إنه لما قلـَّتْ معرفة كثير مِن المثقفين "فضلاً عن العوام" بمثل هذه الأمور؛ توجهتْ همة كثير مِن العلماء للتنبيه عليها، وعلى رأسهم: الدكتور "محمد محمد أبو شهبة"، كما تفضل الدكتور أسامة الأزهري ببيان هذا في المناظرة، وبيَّن أن كتابات العلامة "أبو شهبة" في هذا الباب كانت بتكليف من "شيخ الأزهر" الأسبق الشيخ "عبد الحليم محمود" -رحمه الله-، كما توجهت همَّة بعض الباحثين إلى تأليف كتب للسيرة تجعل الروايات المروية بالأسانيد الصحيحة -لا سيما تلك الواردة في كتب الحديث- أصلاً، وتستكمل التفاصيل بباقي الأخبار الواردة في كتب السيرة، وممن اعتنى بذلك الدكتور "أكرم ضياء العمري" -حفظه الله-.

4- "هم رجال ونحن رجال":

"هم رجال ونحن رجال" قالها الإمام "أبو حنيفة" لينسف بها شبهة وجود كهنوت في الإسلام، وهي الشبهة التي يدندن حولها البحيري كثيرًا، والعجيب أن البحيري وأستاذته وموافقيه يُجمعون على أن الكهنوت موجود في النصرانية "حيث ادعاء العصمة للبابا وللمجمع المقدس-عندهم-، واحتكار تفسير الكتاب المقدس -عندهم-! بل واشتراط أداء عباداتٍ معينة عن طريق فئة محدودة في الكنيسة"؛ كل هذا ولا تتوافر همتهم إلى نقد تلك الفكرة أو مناقشتها في حين أنهم يرمون الأئمة بأنهم ابتدعوا كهنوتًا منذ القرن الثاني الهجري على حد وصف البحيري، وأن الأمة تواطأت على هذا نحوًا من 1200 سنة، حتى جاءنا هؤلاء الأشاوس لكي يهدموا لنا هذا الكهنوت، مع أنهم إذا أرادوا أن يستدلوا على أن الإسلام ليس فيه كهنوت فلا يجدون أوضح دلالة من قول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- عن التابعين: "هم رجال ونحن رجال"، وقول الإمام مالك -رحمه الله-: "كل يؤخذ مِن قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-"، وقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وقول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ مِن حيث أخذوا".

على أن أبا حنيفة -رحمه الله- قال هذا الكلام في مواجهة مَن أراد أن يمنعه مِن الاجتهاد أمام اجتهاد التابعين، ولكنه لم ينكِر ضرورة أن يحمل هذا العلم كل جيل عن الذي قبله كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) ، أي العلماء الأثبات الذين تَرضى الأمة عدالتهم.

كما أن أبا حنيفة -رحمه الله- شأنه شأن كل أهل السنة يرى الإجماع حجة، كما أنه يرى أن هناك أدواتٍ للفهم لا بد وأن يحصِّلها الإنسان حتى يكون مجتهدًا، وقد أحسن الدكتور أسامة الأزهري حينما قارن بينه وبيْن أُطروحات عانى منها المجتمع كله وأنَّ، وذكر منها نموذج "سيد قطب"، على أن استعمال قاعدة: "هم رجال ونحن رجال" جاءت في أفدح صورها على يد "شكري مصطفى" مؤسس جماعة التكفير والهجرة في جانب، و"جمال البنا، والبحيري" ومَن وافقهم في جانب؛ ولذلك أصاب الشيخ "الجفري" حينما قال: "إن فكر البحيري وداعش وجهان لعملة واحدة، ومع التضاد الذي بينهما إلا أنهما انطلقا من آفة واحدة!".

وبصفة عامة فإن هذه المناقشة التي جرت مع إسلام البحيري تدل على أمرين:

1- أنه لا بد لهذا العلم مِن أدوات.

الصفحة السابقة الصفحة التالية