شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليقًا على مناظرة "خيري - الأزهري - الجفري - البحيري"... اللقاء كشف العوار!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

ونحن نرى الفلسفة اليوم تضطهد الدين هذا الضرب من الاضطهاد؛ ألم تقضِ الحكومة الفرنسية على الراهبين والراهبات أن تكون جمعياتهم ومدارسهم تحت سيطرة الحكومة، وألا ينشأ شيء منها إلا بإذن مِن الحكومة؟! ومن لم يخضع لذلك تنحل جمعيته، وتقفل مدارسه بقوة السلاح، وقد ينفَى مِن البلاد كما نُفي كثيرون في سنين سابقة.

ولكن هل يسمى هذا اضطهادًا؟!

كلا، إنما الاضطهاد حق الاضطهاد هو اضطهاد محكمة التفتيش، واضطهاد رؤساء الإصلاح بعدها في أول نشأتهم!" (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية للشيخ محمد عبده) .

فائدة: "الشيخ الجفري وابن تيمية":

وكأني بالشيخ محمد عبده -رحمه الله- يعني "البحيري وإبراهيم عيسى" حينما يتحدث عن هؤلاء المقلدين الذين يرددون شتائم لابن تيمية والذي وصفه بأنه أعلم الناس بالكتاب والسنة وأكثرهم غيرة على الدين.

وقد أحسن الشيخ "الجفري" في دفاعه عن ابن تيمية ردًّا على "بذاءات البحيري"، فقال كلامًا قريبًا مِن هذا؛ إلا أنه استثنى موضوعات لم يكن موفـَّقـًا فيها -فيما نرى-، منها:

- "أبواب القتال": ولعل الذي ينكرونه على "ابن تيمية" تأصيله لقتال الطائفة الممتنعة؛ فإن كان كذلك فتحت أي مبرر شرعي قاتلت الدول العربية الحوثيين في اليمن؟!

أم تراهم ينكِرون عليه فتواه في لزوم القتال مع المماليك -مع ما فيهم مِن ظلم- أمام التتار؟! وهي الفتوى التي تؤصِّل لمسألة الحفاظ على الجيوش المدافعة عن الحدود وإن وُجد ظلمٌ مِن الحكومات، وبسببها يَتهمُ الثوريون الجدد تلاميذَ مدرسة ابن تيمية بالتخاذل!

- كما استثنى الجفري "أبواب الإيمان!": ومِن المعلوم أن ابن تيمية لم يكفـِّر إلا الكفار الأصليين -وهذا إجماع-، ولم يكفر مِن المنتسبين إلى الإسلام إلا الطوائف المصرِّحة بعقائد مضادة صراحة للشهادتين: كالعلوية، والنصيرية الذين يقولون بأن الإله يحل في حاكم الزمان!

وكنا نتمنى أن يرد "الجفري" على "البحيري" تكراره أن مِن أخطاء ابن تيمية تكفير النصيرية، وأن يعتذر كل مَن خالف ابن تيمية في شأن هؤلاء بعد ما رأى مذابح النصيرية في شعب سوريا الذي يحكمونه، والكفريات التي أتى بها الشبيحة علنًا وعلى الهواء!

- وأما الشيعة الاثنى عشرية: فإن "ابن تيمية" على الرغم مِن حملته عليهم؛ إلا أنه لم يكفـِّر إلا مَن تمسك بعقيدة كفرية كالقول بأن القرآن محرف وغيرها، وأما مَن لم يظهر ذلك فلم يكفره.

- وأما الصوفية: فقد دافع عن أبي اليزيد والجنيد وغيرهما، ولم يكفر إلا مَن قال بالحلول والاتحاد، وبالمعنى الشركي الصريح حتى قال قائلهم: "وما الكلب والخنزير إلا إلهنا!"، وقد تقدَّم تأييد الشيخ "محمد عبده" -رحمه الله- لقتل الحلاج.

- وأما الأشاعرة: فمع أن مَن عاصر "ابن تيمية" منهم سعى في سجنه، ومَن تأخر منهم كالجفري نسب إليه التجسيم وهو منه بريء؛ إلا أنه دافع عنهم، ووقف في وجه السلطان حينما أراد قتلهم! وملأ كتبه نقولاً عن أئمة الفقه منهم.

وقد سبق أن ذكرنا أن الشيخ "أحمد الطيب" لا يرى أن مذهب أهل الحديث الذي نصره "ابن تيمية" تجسيمًا، وإنما يرى أنه داخل في الجملة ضمن مذاهب السنة، ويبقى الحوار بيْن أهل الحديث والأشاعرة والمناظرة العلمية قائمة دون أن نحابي هادمي السنن ومفسدي الشرائع.

- وختامًا نقول: ليت أن شيخ الإسلام "ابن تيمية" قد نال مِن "الجفري" عشر سعة الصدر التي أعطاها لمخرفٍ كالبحيري!

7- متفرقات:

- في المقاطع التي سمعتها للبحيري دائمًا ما يقول: "الرسول"، ولا يصلي عليه -صلى الله عليه وسلم-؛ فضلاً عن تركه الترضي على الصحابة -رضي الله عنهم-، وأما العلماء؛ فهم عنده على ما عرفتم، وهذا مِن محق البركة وسوء الأدب؛ فإن سوء الأدب مع العلماء فرع على سوء الأدب مع الصحابة، وكلاهما فرع على سوء الأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!

- في محاولة منه لتعميم سبّه لكل التراث؛ فإن البحيري يدَّعي في كل المسائل التي ينتقدها أنها مجمع عليها، ومنها: "جواز نكاح الصغيرة"، وربما يكون معذورًا في هذه، ولكنه لو اطلع لوجد أن هذا الادعاء لم يمنع مَن ترجح لديهم خصوصية هذا الحكم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتمسكوا بمذهب "ابن شبرمة"، وقد سمينا منهم: ابن حزم، والمعلمي اليماني، وابن عثيمين مِن المعاصرين -وهما ممن يلصقهما البحيري بالوهابية المتشددة بزعمه!-.

- وفي سبيل ذلك: ادعى الإجماع على أن مَن ترك صلاة واحدة قد كفر، ومر هذا القول على الشيخين في زحمة أقواله، وفي الواقع أن الأئمة الثلاثة "عدا أحمد" لا يكفـِّرون تارك الصلاة، وأن للإمام أحمد روايتين، والمختار عند ابن قدامة -رحمه الله- الراوية الموافقة للجمهور، وإن كان متأخرو المذهب يختارون الأخرى، وأما ابن تيمية -رحمه الله-؛ فله مذهب وسط هو أقرب لمذهب الجمهور -فيما نرى-، وليس هذا مقام تفصيله، والشاهد أن أكثر العلماء على عدم تكفير تارك الصلاة كفرًا مخرجًا مِن الملة.

- ينادي البحيري بفتح باب الاجتهاد ثم يرتدي غاية ثوب التشدد مِن باب تهييج الحكام على الإسلاميين مِن أنهم لا يرون الحكام المعاصرين ولاة أمور! وقد ردَّ عليه الشيخ الجفري بأن أهل السنة يرون إمامة المتغلب، وهذا صحيح، ولكن القضية التي استجدت هو أن واجبات الإمام التي كانت منوطة به كتب السياسة الشريعة قد أصبحت اليوم موزعة بيْن مؤسسات وسلطات ثلاث وفق الدساتير المعاصرة؛ فلا يجوز لحاكم أن يتجاوز صلاحياته الدستورية استنادًا إلى صلاحيات الإمام في كتب السياسة الشرعية، حيث أصبحت الدساتير عقدًا بينه وبين الأمة؛ ومِن هنا يتضح مَن الذي ينادى بالجمود؟! ومَن الذي يدعم الاستبداد؟! ومَن الذي يتعامل مع النصوص بانتقائية؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية