شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التكفير مع غلق باب التوبة!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

2- نَشرَ البعض هذه الفيديوهات -على ما فيها من عوراتٍ مكشوفة- طلبًا لهذه الشماتة، وهو ما يدخِل صاحبه في عموم الوعيد القرآني: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (النور:19) .

ولا يُعترض على هذا بأن أصحاب الواقعة هم مَن صوروا أنفسهم ونشروها؛ لأن هذا إن صح فلا ينفي أن في إرسال هذه الفيديوهات لعموم الناس هو مِن إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فضلاً عن أن هذه المقاطع كانت بحوزة مقترف هذه الجرائم، وإنما سُربت رغمًا عنه.

3- نَشرَ البعض بلا تثبت أسماء بعض السيدات اللاتي يقال إنهن ظهرن في الفيديو على سبيل ترديد الاتهام بالزنا لهن؛ وهي جريمة قذف كاملة الأركان حيث مِن المقرر أن جريمة الزنا لا تثبت إلا بالاعتراف أو بشهادة أربعة شهود، وليس بمجرد اشتباه الصورة مع شريط وجد مع شخص متهم بالفاحشة، وقد أجمع أهل العلم أنه إذا شهد ثلاثة شهود على معين بالزنا ولم ينضم إليهم رابع أنهم يحدُّون حد القذف.

ومِن نافلة القول أن نشير هنا إلى أنه عندما ظهر "الهاشتاج" المعروف، وفيه كلمة تستعمل عرفًا الآن في رمي الرجل في أهل بيته، فلما قيل لهم: "هذا قذف"؛ انبرى بعض المنتسبين إلى العلم منهم ليقرر أن الكلمة ليست قذفًا بناءً على معناها اللغوي الأصلي، وهي ظاهرية انتحلوها ها هنا لتبرير شتائمهم! مع أن المتأخرين ممن أدركوا المعنى العرفي الجديد قد عدوها مِن ألفاظ القذف؛ فبعضهم عدها مِن الصريح كما في "حاشية البُجَيْرَمِيّ" على "شرح الشربيني على ألفاظ أبي شجاع"، وبعضهم عدها من الكناية كما في "حاشية الجمل على المنهاج".

4- قيام البعض بالقذف الجماعي لزوجات مَن يعمل ببعض المهن بناءً على اتهام واحدة منهن بأنها صاحبة أحد هذه المقاطع! وصاحب هذا القول يناله إثم القذف الجماعي لعشرات الآلاف مِن النساء، وقذف كل واحدة منهن كبيرة مستقلة، بل إن هذا القذف سينال شاء أم أبى بعض مَن يحبهم ويراهم على الحق!

3- إنكار الأستاذ "نادر بكار" لهذه المخالفات، وتداخل أكثر مِن قصة عليه أثناء جوابه:

ولما كان كل ما مضى مِن تجاوز حدود الله، ولما كان كل ذلك مِن الفحش والبذاءة التي نهى عنها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولما كان كل هذا يتم باسم "الإسلاميين"؛ مما له أعظم الضرر على الدعوة الإسلامية ككل - فقد بيَّن "نادر بكار" مخالفة ذلك للشرع في رده على سؤال للأستاذ "عمرو أديب"، وقد تداخلتْ ألفاظ الأحاديث عليه، فقال: "إن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إن هذا الرجل زنى بامرأتي، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: لو أنك سترته بطرف ثوبك لكان خيرًا لك"، ثم أضاف: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".

وإذا أردنا إعادة تصحيح الكلام فسيكون على النحو الآتي:

إن هناك ثلاثة مواقف في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- تداخلتْ في ذهن "نادر"؛ لعلاقتها بالمعنى الذي أراد تقريره:

الأول: الرجل الذي رمى امرأته بالزنا، وهمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بإقامة حد القذف عليه، رغم أن الشائع أن الرجل لا يرمي امرأته بمثل ذلك إلا صادقًا، ثم إن الله شرع للزوج أن يلاعن امرأته ليتمكن مِن نفي نسب الحمل -الذي سيكون- إن أراد.

والشاهد مِن القصة واضح: مِن أن القذف جريمة -حتى مع وجود قرائن على صحته- ما لم يثبت الزنا بإقرار أو بشهادة أربعة شهود عدول أو ملاعنة زوج مع نكول الزوجة؛ وإلا فمع حلف كلٍ مِن الزوجين في الملاعنة لا يمكن نسبة التهمة إليها.

الثاني: قصة العسيف "الأجير" الذي زنى بامرأة "مستأجره"، فجاء أبو العسيف وزوج الزانية للتحاكم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وموضع الشاهد من القصة: أنه مع اعتراف الزاني وأبيه وزوج المرأة أمام النبي -صلى الله عليه وسلم-، إلا أنه علَّق إقامة الحد عليها "على اعترافها".

الثالث: قصة "ماعز" -رضي الله عنه-، وفيها: أنه كان في كنف رجل مِن الصحابة يسمى هزَّال، وأنه وقع في الزنا بجارية من الحي، وجاء في رواية صحيحة أنها جارية هزَّال، وجاء في أخرى أنه كان قد زوجها، ثم إن ماعزًا ندِم وجاء لهزال مستفتيًا؛ فأمره أن يذهب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعله أن يستغفر له، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن اعترف ماعز -رضي الله عنه- على نفسه بالزنا الصريح لم يكن أمامه إلا إقامة الحد عليه؛ لأن الحاكم لا يسعه إلا ذلك، ثم لما علم بقصته مع هزَّال أراد أن يعلم الأمة أن غير الحاكم بوسعه أن يستر على مَن اقترف حدًّا إذا غلب على ظنه أنه يتوب ويرجع دون إقامة الحد، فقال لهزال: ( لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

ولو أردنا أن نستخرج مِن هذه القصة الصحيحة مقابلاً لعبارة "نادر" التي قال فيها: "إن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن هذا زنى بامرأتي، فقال له: لو سترته بثوبك كان خيرًا لك"، ستكون: "إن ماعزًا زنى بجارية هزَّال، فأرسله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لإقامة الحد عليه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لهزال "سيد الجارية": ( لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ ).

4- بيان أن ما حدث مِن تداخل لم يكن له أدنى أثر في المعنى، وأن الخلل عند المنتقدِين راجع إلى فهمهم للحديث، وما توهموه من معنى فاسدٍ لم يتأثر بالاختلاط الذي حدث في كلام "نادر"؛ بما يعني أنهم إما أن يلتزموا نفس التفسير فيكونون هم مَن يسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو يقروا بعدم لزوم ما توهموه "وهو الصواب"؛ فيَلزمهم حينئذٍ أن يعودوا عما قرروه، ويتوبوا مما اقترفوه:

الصفحة السابقة الصفحة التالية