شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التكفير مع غلق باب التوبة!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

لا يمكن أن يُتصور أن ينبري أحدٌ لتكفير آخر لمجرد تداخل نصوص أحاديث عليه، لكن "المكفـِّرون" يزعمون أن السياق الذي روى به "نادر" هذه الروايات يتضمن زعمه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أمر مَن وجد رجلاً على امرأته أن يسترهما بثوبه "وتفنن الشيخ! وجدي في التعبير عن هذا المعنى بألفاظ عامية دارجة تقتضي عند ذوي المروءة تشفير قناته على اليوتيوب!".

وما فعله "الشيخ! وجدي" بالعامية فعله "الشيخ! عبد الرحمن عبد الخالق" بالفصحى! وقال في معرض تأكيد عدم وجود عذر بالجهل في هذه المسألة: "إنه معلوم لدى جميع العقلاء أن الزعم بأن رسول الله أمر مَن وجد رجلاً على امرأته أن يسترهما بثوبه أن هذا مِن الدياثة".

مع أن "نادرًا" لم يذكر الألفاظ التي ذكرها كل مِن الرجلين، وإنما ذكر اللفظ النبوي": ( لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ ).

نعم، توهم "نادر" أن هذا اللفظ قيل لرجل في حق آخر "زُني بامرأته"، بينما الحقيقة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله لرجل في حق آخر "زُني بجاريته".

ورغم تفاوت درجة الغيرة الطبعية في الحالتين؛ إلا أن اللوازم التي يمكن استنتاجها في الحالتين واحدة، والفرق بين كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين ما توهموه هو بين "زنى" و"يزني"، وهو الفرق بيْن قصة "ماعز" -رضي الله عنه- وقصة الملاعنة التي دلت على أن مَن وجد رجلاً يزني بامرأته أن له قتله، وله أن يشهد عليهما أربعة شهداء، ويرفع أمرهما إلى الحاكم، وله أن يلاعنها ليفارقها وينفي نسب طفلها إليه.

وأما مَن عُلم بأنه قد "زنى" وجاءه أو جاءته معترفة تائبة؛ فله أن يستر عليهما ويطلقها، أو أن يستر عليهما ويمسكها مع إبعاد أسباب الفتنة، ومتابعة ظهور علامات التوبة عليها.

ولمزيدٍ من الإيضاح... نضرب مثالاً بست حالات:

1- رجل زنا بامرأة ما ثم جاء آخرَ تائبًا.

2- رجل زنا بجارية آخر ثم جاءه تائبًا.

3- رجل زنا بامرأته آخر ثم جاءه تائبًا.

4- رجل وجد آخر يزني بامرأة.

5- رجل وجد آخر يزني بجاريته.

6- رجل وجد آخر يزني بامرأته.

ففي الحالات الثلاث الأوَل "وهي وقوع الجريمة وانقضاؤها": يجوز أن يُقال للرجل: ( لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ )، مع عدم لزوم إمساك الزوجة في هذه الحالة، بل الأمر يتوقف على غلبة الظن بظهور أمارات التوبة عليها.

ويكون معنى ( لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ ) ها هنا، معنى مجازيًّا عن الستر؛ لعدم وجود عري حسي أصلاً، وعدم وجود جريمة قائمة كما في قصة "ماعز" -رضي الله عنه-.

وفي الحالات الثلاث الأُخر "وهي وجود الجريمة": فسوف ينصرف الذهن إلى المعنى الحسي لكلمة: ( لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ )، وحينئذٍ يلزم منها "الدياثة" -والعياذ بالله- في صورها الثلاث: "الزوجة - والأمة - والمرأة الأجنبية"، وإن كان بعضها أفحش مِن بعض.

ويزيد الأمر وضوحًا أن "نادرًا" استعمل هذا الحديث في الاستدلال على واقعة قد "انتهت"، وأنه علـَّق كلامه على أن الجناة يحاسبون الآن، والذي صدر عن بعض الإسلاميين تجاوز فضيحة العصاة إلى ما ذكرنا في الفقرة السابقة مِن القذف بالشبهة، ومِن قذف طوائف من الأمة بالعموم!

فالذي حدث أن "نادرًا" اختلطت عليه الروايات بحكم أنها عدة مواقف لم ينتج عنها أثر معنوي، بينما أدرك مكفروه القصص وتداخلتْ عليهم المعاني، ولم يفرقوا بيْن "زنى" و"يزني"، وبين ما يلزم مِن حمل عبارة: ( لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ ) على المعنى المجازي وجوبًا في الحالة الأولى "وهي الحالة الواردة في الحديث، وفي كلام نادر"، وبيْن ما يلزم منها مِن احتمالات "الدياثة" في الحالة الثانية "وهي لم ترد في الحديث، ولا في كلام نادر"، وإن توهموها واقعًا؛ مما يوقعهم هم في مضيق سب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ما تعاملنا معهم بقاعدتهم مِن: "المؤاخذة بلزوم القول وإن لم يلتزمه صاحبه!".

فتوى في حكم مَن زنت زوجته:

ولكثير مِن أهل العلم المعاصرين فتاوى في مسألة تعامل الزوج إذا علم بزنا زوجته، لا سيما في البلاد التي لا تُطبَّق فيها الحدود، نختار منها فتوى على موقع "إسلام ويب" التابع لوزارة الأوقاف القطرية "وهو موقع جيد ومنضبط في منهجه للفتوى، واخترناه دون غيره لأسباب لا تخفى على فطنة القارئ!".

جاء في إجابة الفتوى رقم: "195635": "الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن هذا مِن البلاء العظيم أن تقدم امرأة متزوجة على مخادنة رجل أجنبي عنها، والوقوع معه في الفاحشة، والتي قال الله -عز وجل- عنها: ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (الإسراء:32) ، وللمزيد فيما يتعلق بالزنا وقبحه راجع الفتوى رقم: 1602.

فإذا كانت زوجتك قد فعلتْ ما نسبتَ إليها مِن منكرات، فإنها بذلك عاصية لربها، ومفرِّطة في حق زوجها، يجب عليها أن تتوب توبة نصوحًا، وتستسمحك فيما بدر منها، وشروط التوبة مبينة بالفتوى رقم: 5450.

فإن تابت إلى الله وأنابت واستقام أمرها فأمسكها عليك، وأحسن عشرتها، واجتهد في نسيان ما مضى، واحرص على تعليمها أمر دينها، وتزكية نفسها بعمل الصالحات، واعمل على صيانتها بالحجاب، والبعد عن مخالطة الرجال الأجانب ودخولهم عليها، وكن قدوة لها في الخير، والله -تعالى- يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم:6) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "علموهم وأدبوهم"، وانظر الفتوى رقم: 102840.

هذا بالنسبة لزوجتك، وأما هذا الرجل فذكره بالله -تعالى-، وقل له في نفسه قولاً بليغًا، وذكره بخطورة ما أقدم عليه مِن خيانة لمسلم في أهله وانتهاك لعرضه، وأنه قد يجازى بمثلها في أهله، فالجزاء من جنس العمل، وراجع بهذا الخصوص الفتوى رقم: 164967، ويجب إتلاف التسجيلات والفيديو، ونحو ذلك مما اشتمل على هذه المنكرات".

5- تعليقات متفرقات "مضحكات مبكيات":

الصفحة السابقة الصفحة التالية