مصرنا بلا عنف
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
التفسير الثاني لكلمة "المجتمع الجاهلي": هو التفسير الموجود داخل الفكر القطبي، وهم الذين تتلمذوا على يد "سيد قطب"، لكن صاروا يتسمون بأسماء أخرى، وقاموا بنشر هذا الكلام في كثير مِن المجتمعات وليس في مصر وحدها، وهو تفسير الأستاذ "محمد قطب" و"عبد المجيد الشاذلي" في جماعة "التوقف والتبيُّن" الذين يقولون أن "المجتمع الجاهلي" تساوي "دار الكفر"، ولا يلزم أن يكون كل أفراد المجتمع كفار.
والمجتمع الجاهلي عندهم ينقسم ثلاثة أقسام:
- مسلمون بلا شبهة.
- كفار بلا شبهة.
- طبقة كبيرة متميعة لا نشغل أنفسنا بالحكم عليها، فهذه الطبقة عندهم مجهولة الحكم ويُتوقف فيها، وقد ذكر "محمد قطب" هذا الكلام في كتابه: "واقعنا المعاصر"، وذكره "عبد المجيد الشاذلي" في كتابه "حد الإسلام".
وتلامذة الأستاذ "محمد قطب" في "الجامعات السعودية" وفي غيرها تشربوا هذا المنهج -وإن كان في بيئة سلفية-، لكن البذرة بذرة قطبية، وتشرَّب هذا المنهج "جماعة الجهاد"، وإن كنتُ أتحرج مِن استعمال هذا الاسم؛ لأنه اسم شريف، فأنا أقول إنهم "جماعة الصدام والعنف"، لكن المشكلة أنهم تسموا بهذا واشتُهروا به، فكل هذه الاتجاهات عندهم كتاب أساسي لا بد أن يُدرّس، وهو كتاب: "معالم في الطريق" للأستاذ "سيد قطب".
فهذه الفصائل الثلاث: "التكفير الصرف - والتوقف والتبين - والجهاد"، وأيضًا الذين يطلقون على أنفسهم اسم "الجبهة السلفية!" يتبنون هذا الفكر، ويعظمون رموزه ويعتبرون أنفسهم تلامذة "سيد قطب - ومحمد قطب - وعبد المجيد الشاذلي"؛ لذلك الصحيح أن يُطلق عليها "الجبهة القطبية!" وليس الجبهة السلفية.
وهذا الفكر الذي تبنته الجماعات الجهادية بما فيها "تنظيم القاعدة" و"أنصار بيت المقدس" مع استغلال واضح جدًّا مِن البعض لاسم "السلفية"، قد بدأته جهات أجنبية في وصف هذه الجماعات به، لكونها مشتركة مع المنهج السلفي والدعوة السلفية في بعض المرجعيات -لكن شتان في طريقة الفهم-؛ فتقسيم أن هناك "سلفية تكفيرية، وسلفية جهادية، وسلفية علمية، وسلفية مدخلية" - بدأته أجهزة المخابرات الأجنبية، ثم تسرَّب إلينا.
وهناك مراكز أبحاث قامتْ بنشر هذا التقسيم قبل عام 2002م، وهذا الأمر وَجد هوىً عند طوائف وجدوا أن اسم السلفية عندما يُستعمل في أفعال شديدة النكارة فهي فرصة للتخلص منهم جميعًا، وفرصة للتخلص من المنهج نفسه، والتخلص من الدين كما يريد الأعداء، وعلى الجانب الآخر هذه الجماعات وجدت أنها بالانتساب إلى السلفية تكتسب أرضية واسعة جدًّا، ولكن الدعوة السلفية الحقيقية هي جزء من المجتمع وليست مُتحوصلة ضده ولا خارجه، بل نحن نحذر مِن محاولة التحوصل ضد المجتمع أو التحوصل بعيدًا عن المجتمع.
والجواب على هذا المحور: هو التفصيل بيْن الجاهلية التي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها لأبي ذر -رضي الله عنه-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ) (متفق عليه) ، وقال: ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ ) (رواه مسلم) ، فلا بد أن نفرِّق بين الكفر وبين المعصية، وبين الشرك وما دونه، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) .
فدراسة هذه المسألة بالتفصيل هو العلاج.
2- عدم ضبط الفرق في قضية الحكم بغير ما أنزل الله بيْن مَن يرد الشريعة ويُلزم بغيرها في التشريع العام، وبين مَن أراد التدرج في التطبيق مع كونه يلتزم بها ويُعلي مِن شأنها، لكنه يقول نتدرج مِن أجل مراعاة القدرة والعجز، ومن أجل مراعاة المصالح والمفاسد: فنحن قد ورثنا هذه القوانين منذ مرحلة الاحتلال، والاحتلال انصرف بجنوده، لكنه لم ينصرف بتأثيراته الهائلة على المجتمعات العربية والإسلامية، ونحن لسنا وحدنا -حتى في داخل بلادنا-؛ فلا بد مِن مراعاة القدرة والعجز، والمصالح والمفاسد.
وقد نختلف معهم في كيفية التدرج، وكم يستغرق من الوقت؟ لكننا في الجملة قابلون للتدرج بناءً على المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز، وقضية التدرج أصبح منصوصًا عليها في الدستور بضم أحكام المحكمة الدستورية إلى ديباجة الدستور بالإلزام بالالتجاء إلى أحكام الشريعة؛ ولذلك فالبناء القانوني الدستوري للدولة المصرية ليس رادًّا لشرع الله.
3- عدم ضبط الفرق بين كفر النوع وكفر العين: فهناك أنواع مِن الحكم بغير ما أنزل الله هي كفر أكبر ناقل عن الملة، وهناك أنواع من الموالاة لأعداء الله هي كفر ناقل عن الملة، وهناك أنواع من دعاء غير الله ونحو ذلك هي كفر ناقل عن الملة، لكن المعين لا بد فيه من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع بعد عرضه على قضاء شرعي أو أهل علم ليقيموا عليه الحجة، وقبْل حكم أهل القضاء الشرعي وأهل العلم على شخص بعينه بأنه مرتد عن الإسلام لا يصح لآحاد الناس أن يحكموا بكفره؛ فدراسة موانع التكفير التي نص عليها العلماء مهم جدًّا في منع انتشار فكر التكفير والعنف.