الإجابة على الاستشكالات الواردة على حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- في النمص
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
وقد زاد في موقع آخر مِن البحث رواية أخرى لحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، ولها أثر في مسألة تحديد: هل النمص في الحاجب فقط أم في الوجه كله؟ فقال: "عن قبيصة بن جابر قال: كنا نشارك المرأة في السورة نتعلمها، فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته في ثلاثة نفر، فرأى جبينها يبرق، فقال: أتحلقينه؟ فغضبت وقالت: التي تحف جبينها امرأتك، قال: فادخلي عليها، فإن كانت تفعله فهي مني بريئة، فانطلقت ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله، فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث..." (الحديث أخرجه الطبراني وابن عساكر والهيثم بن كليب في مسنده كما في آداب الزفاف للألباني (203 – 204) وحسَّن إسناده) انتهى .
وقد ألحقت ذات حواشيه وتخريجاته بالمقال.
وبعد عرض الأدلة الواردة في الباب نود أن ننبه على الأمور الآتية:
1- هناك وجه آخر في تفسير قوله تعالى فيما يحكيه عن إبليس ( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ )، وهو أن المقصود بتغيير خلق الله هو تغيير الفطرة، وهناك قول ثالث بتفسيره بالإخصاء، وهو قريب مِن الأول.
وهذه الوجوه غير متعارضة، ويمكن الجمع بينها وهو الصحيح.
2- الدليل العمدة في المسألة هو حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ومِن المناسب استعراض أقوال شراح الحديث عليه.
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:
"وَأَمَّا النَّامِصَةُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: فَهِيَ الَّتِي تُزِيلُ الشَّعْرَ مِنَ الْوَجْهِ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ الَّتِي تَطْلُبُ فِعْلَ ذلك بها، وهذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية، أو شوارب؛ فلا تحرم إزالتها، بل يستحب عندنا، وقال ابن جرير: لا يجوز حلق لحيتها، ولا عنفقتها، ولا شاربها، ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص، وَمَذْهَبُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنِ اسْتِحْبَابِ إِزَالَةِ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ، وَأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَوَاجِبِ وَمَا فِي أَطْرَافِ الْوَجْهِ. فَيُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مرتكبة معصية كالوصل أو ترك الصلاة أو غيرهما يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
- ويُلاحَظ على هذا النقل أن النووي قد جزم بالحرمة، واستثنى ما يعد مرضًا أو مخالفًا للخلقة الطبيعية للنساء، مثل: إذا نبتت للمرأة لحية، ولم يشر إلى الخلاف إلا خلاف الطبري رحمه الله، والذي بالغ؛ فمنع المرأة التي لها لحية من إزالتها، وهو القول الذي نصره أهل الظاهر فيما بعد، والحق مع النووي، ويشهد له أثر ابن عباس رضي الله عنهما.
- وتأمل قول النووي: "فَيُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مرتكبة معصية كالوصل أو ترك الصلاة أو غيرهما يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا"، وقد أخذ هذا الجزء الموقوف مِن حديث ابن مسعود رضي الله عنه مِن الحوار الذي دار بينه وبين المرأة، وهذا الجزء يغلق أبواب كل الاحتمالات التي ذهب إليها بعض العلماء كما سنبين إن شاء الله.
قال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح:
"التنمص -بمثناة فوق، ثم نون، وصاد مهملة-: إزالة الشعر مِن الوجه، مأخوذ مِن المنماص بكسر الميم الأولى وهو المنقاش، والمتنمِّصة: طالبة ذلك، والنامصة: المزيلة له.
وبعضهم يقول: المنتمصة بتقديم النون، حكاه ابن الجوزي، قال: والذي ضبطناه عن أشياخنا في كتاب أبي عبيد المتنمِّصَة بتقديم التاء مع التشديد
وهو حرام؛ إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا يحرم، بل يستحب عندنا، والنهي إنما هو في الحواجب وما في أطراف الوجه. وانفرد ابن جرير فقال: لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها، ولا تغيير شيء مِن خلقها بزيادة ولا نقص".
وكلام ابن الملقن موافق لكلام النوى رحمه الله في الجملة.
قال في عون المعبود: "قَالَ فِي النِّهَايَةِ: النَّامِصَةُ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ وَجْهِهَا وَالْمُتَنَمِّصَةُ الَّتِي تَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمِنْقَاشِ مِنْمَاصٌ. انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ حَرَامٌ إِلَّا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَوَارِبُ".
وقال المباركفورى في "تحفة الأحوذي": "وَالْمُتَنَمِّصَاتِ: جَمْعُ مُتَنَمِّصَةٍ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ الَّتِي تَطْلُبُ النِّمَاصَ، وَالنَّامِصَةُ الَّتِي تَفْعَلُهُ، وَالنِّمَاصُ إِزَالَةُ شَعْرِ الْوَجْهِ بِالْمِنْقَاشِ وَيُسَمَّى الْمِنْقَاشُ مِنْمَاصًا لِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ النِّمَاصَ يَخْتَصُّ بِإِزَالَةِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ لِتَرْقِيقِهِمَا أَوْ تَسْوِيَتِهِمَا.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ: النَّامِصَةُ الَّتِي تَنْقُشُ الْحَاجِبَ حَتَّى تُرِقَّهُ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ خِلْقَتِهَا الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ الْتِمَاسَ الْحُسْنِ لَا لِلزَّوْجِ وَلَا لِغَيْرِهِ كَمَنْ تَكُونُ مَقْرُونَةَ الْحَاجِبَيْنِ فَتُزِيلُ مَا بَيْنَهُمَا تُوهِمُ الْبُلْجَ وَعَكْسُهُ، وَمَنْ تَكُونُ لَهَا سِنٌّ زَائِدَةٌ فَتَقْلَعُهَا أَوْ طَوِيلَةٌ فَتَقْطَعُ مِنْهَا أَوْ لِحْيَةٌ أَوْ شَارِبٌ أَوْ عَنْفَقَةٌ فَتُزِيلُهَا بِالنَّتْفِ، وَمَنْ يَكُونُ شَعْرُهَا قَصِيرًا أَوْ حَقِيرًا فَتُطَوِّلُهُ أَوْ تُغْزِرُهُ بِشَعْرِ غَيْرِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ وَهُوَ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الضَّرَرُ وَالْأَذِيَّةُ كَمَنْ يَكُونُ لَهَا سِنٌّ زَائِدَةٌ أَوْ طَوِيلَةٌ تُعِيقُهَا فِي الْأَكْلِ أَوْ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ تُؤْذِيهَا أَوْ تُؤْلِمُهَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَالرَّجُلُ فِي هَذَا الأخير كالمرأة.