شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإجابة على الاستشكالات الواردة على حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- في النمص

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَثْنَى مِنَ النِّمَاصِ مَا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَارِبٌ أَوْ عَنْفَقَةٌ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا إِزَالَتُهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ (مُبْتَغِيَاتٌ لِلْحُسْنِ) أَيْ طَالِبَاتٌ لَهُ حَالٌ عَنِ الْمَذْكُورَاتِ (مُغَيِّرَاتٌ خَلْقَ اللَّهِ) هِيَ أَيْضًا حَالٌ وَهِيَ كَالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ اللَّعْنِ).

وأنت ترى أنه اقتصر على كلام الطبري والنووي.

قال ابن الجوزي في كشف المشكل مِن حديث الصحيحين:

"وَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن الْكَلَام مُطلق فِي حق كل من فعل هَذَا. وَقَول ابْن مَسْعُود يدل على ذَلِك، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ المتصنعات من النِّسَاء للفجور، لِأَن مثل هَذَا التحسن دأبهن، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهن المموهات على الرِّجَال بِمثل هَذِه الْأَفْعَال لتغر المتزوج".

وأنت ترى أن ابن الجوزي يقر بأن ظاهر حديث ابن مسعود أن الكلام مطلق في حق كل مَن فعل هذا.

وهذا يعني أنه لا يمكنه أن يصرفه عن ظاهره إلا لدليل وأن يسلم هذا الدليل مِن معارض، وأن يكون للمعنى الذي سيصرف إليه وجه، وسترى أن هذا كله لا يتوافر هنا بفضل الله تعالى.

قال ابن حجر في فتح الباري بعد ما ساق كلام ابن جرير:

"وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَثْنَى مِنَ النِّمَاصِ مَا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَارِبٌ أَوْ عَنْفَقَةٌ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا إِزَالَتُهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ. قُلْتُ: وَإِطْلَاقُهُ مُقَيَّدٌ بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَعِلْمِهِ؛ وَإِلَّا فَمَتَى خَلَا عَنْ ذَلِكَ مُنِعَ لِلتَّدْلِيسِ، وَقَالَ بعض الْحَنَابِلَة: إن كَانَ النمص أشهر شِعَارًا لِلْفَوَاجِرِ امْتَنَعَ، وَإِلَّا فَيَكُونُ تَنْزِيهًا. وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ إِلَّا إِنْ وَقَعَ بِهِ تَدْلِيسٌ فَيَحْرُمُ. قَالُوا وَيَجُوزُ الْحَفُّ وَالتَّحْمِيرُ وَالنَّقْشُ وَالتَّطْرِيفُ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ وَكَانَتْ شَابَّةً يُعْجِبُهَا الْجَمَالَ، فَقَالَتِ: الْمَرْأَةُ تَحُفُّ جَبِينَهَا لِزَوْجِهَا. فَقَالَتْ: أَمِيطِي عَنْكِ الْأَذَى مَا اسْتَطَعْتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ التَّزَيُّنُ بِمَا ذُكِرَ إِلَّا الْحَفَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ النِّمَاصِ".

ويلاحظ أن أثر امرأة أبي إسحاق عن عائشة رضي الله عنها ضعيف، وعلى فرض صحته؛ فهو غير صريح، ولو صح لوجب تأويله هو ليوافق المرفوع والموقوف عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وأقصى ما فيه حال صحته أن يقال: إن عائشة رضي الله عنها رأت أن النمص في الحاجب فقط، وإن كان حتى هذا التأويل سوف يصطدم بالرواية الأخرى عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولكن حينها كان يمكن أن نقول: إن ثمة خلاف بين ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما، ولكن مع عدم صحة أثر عائشة بقي الحديث المرفوع المعضد بآثار عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما بلا منازع.

3- أثر ابن عباس: "لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ، وَالنَّامِصَةُ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ، وَالْوَاشِمَةُ، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ، مِنْ غَيْرِ دَاءٍ" له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي "لعنت" له حكم الرفع.

وفي قوله: "مِنْ غَيْرِ دَاءٍ" الضابط الرئيسي بيْن ما يجوز وما لا يجوز في هذا الباب، وعليه بنى المعاصرون كلامهم في عمليات التجميل، وسيأتي قرار مجمع الفقه الإسلامي (منظمة المؤتمر الإسلامي).

4- في الباب آثار جيدة عن جمع مِن التابعين: ذكرها ابن جرير رحمه الله في تفسير قوله تعالى -فيما يحكيه عن إبليس-: ( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ ) عن جمع مِن التابعين أنهم حملوا على ذلك الآية، ورووا في تفسيرها حديث ابن مسعود، وحتى لو فسرنا الآية بأن التغيير المقصود هنا هو تغيير الدين؛ فإن هذه النقول كافية في إثبات مذهب هؤلاء في حرمة الوشم والنمص، وغيره مما ورد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

الاستشكالات التي أوردها بعض العلماء على حديث ابن مسعود رضي الله عنه:

- تقدم قول ابن الجوزي: "وَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن الْكَلَام مُطلق فِي حق كل مَن فعل هَذَا"؛ إلا أنه ذكر احتمالات أخرى، وبطبيعة الحال فإنه لم يذكر احتمالات غير الظاهر إلا لاستشكال عنده أو عند غيره على الظاهر، وهذا الذي جعل بعض العلماء يعللوا الامر بالتدليس أو أنه بدون إذن الزوج، وهي تفسيرات لا تحل الإشكال؛ لكونها تبقى مخالفة لظاهر الحديث مِن جهة، وفيها مِن الإشكالات ما هو أكثر مما فروا منه مِن جهة أخرى.

وهذا ما عبَّر عنه الإمام القرافي رحمه الله في كتاب الذخيرة حيث قال:

الصفحة السابقة الصفحة التالية