شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإجابة على الاستشكالات الواردة على حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- في النمص

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

"(النَّوْع الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ مَا يَجْرِي مِنَ الْغُرُورِ وَالتَّدْلِيسِ): وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَصْلُ شَعْرِهَا وَلَا وَشْمُ وَجْهِهَا وَلَا يَدَيْهَا، وَلَا وَشْرُ أسنانها لقَوْله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فِي الصَّحِيحِ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خلق الله). فالوشم التغزير بِالْإِبْرَةِ ثُمَّ يُحْشَى مَوْضِعُهُ بِالْكُحْلِ فَيَخْضَرُّ. وَالْوَشْرُ نحت الْأَسْنَان حَتَّى تتفلج وتحدد أَطْرَافُهَا. وَالْمُتَنَمِّصَاتُ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ: النَّامِصَةُ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنَ الْوَجْهِ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ الَّتِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَيَجُوزُ لَهَا خَضْبُ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا بِالْحِنَّاءِ، وَأَجَازَ مَالِكٌ تَطْرِيفَ أَصَابِعِهَا وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. قَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ اخْتَضِبْنَ وَإِيَّاكُنَّ وَالنَّقْشَ وَالتَّطْرِيفَ وَلْتَخْضِبْ إِحْدَاكُنَّ يَدَيْهَا إِلَى هَذَا وَأَشَارَ إِلَى مَوْضِعِ السِّوَارِ، وَسَبَبُ الْمَنْعِ فِي وَصْلِ الشَّعْرِ وَمَا مَعَهُ التَّدْلِيسُ وَالْغُرُورُ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: تَنْبِيهٌ لَمْ أَرَ لِلْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ تَدْلِيسٌ عَلَى الْأَزْوَاجِ لِيَكْثُرَ الصَّدَاقُ، وَيُشْكِلُ ذَلِكَ إِذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ وَبِالْوَشْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَدْلِيسٌ، وَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ التَّغْيِيرَ لِلْجَمَالِ غَيْرُ مُنْكَرٍ فِي الشَّرْعِ: كَالْخِتَانِ وَقَصِّ الظُّفْرِ وَالشَّعْرِـ وَصَبْغِ الْحِنَّاءِ وَصَبْغِ الشَّعْرِ، وَغير ذَلِك".

وقد استشكل الإمام القرافي تعليل الفقهاء بغير العلل التي في الحديث، ولكنه في المقابل استشكل أن ينهى الشرع عن هذا ويبالغ فيه مع إباحته مع هو مِن جنسه!

ومثل هذا الاستشكال لا يجب أن يتوقف الأمر عليه، بل نقول: سمعنا وأطعنا، ونبحث عن تعليل طالما صحت الأدلة بهذا وبذاك، ولعلنا نجده في أثر أو في نظر أو في تطور علم.

وقد استشكل ذات الاستشكال الطاهر ابن عاشور في التفسير، وفي كتابه "مقاصد الشريعة"، وحمل الأمر على أنه له علاقة بعرف العرب في شأن النمص، وهو مِن أخطر الدعوات التي لو طُردت مِن غير دليل؛ لكان خطرًا عظيمًا.

وما استشكله هؤلاء العلماء وأعلنوا عن حيرتهم كالقرافي أو أزالوها بتأويل النص تأويل يأباه لفظ الحديث وتعليله، وفهم وتطبيق مَن رووه مِن الصحابة - قد يعرف شيء مِن حكمته إذا علمنا الضرر الطبي للعبث بمنطقة الوجه عمومًا "وبالحاجبين خصوصًا" كما نقله "عادل مبارك المطيرات" في البحث المشار إليه آنفًا عن الدكتور "وهبة أحمد حسن" مِن كلية الطب في جامعة الإسكندرية، في ذكر الأضرار الطبية للنمص؛ لا سيما إذا استعمل مكان الجزء المزال أقلام الحواجب ونحوها.

فقال: "إن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ثم استخدام أقلام الحواجب وغيرها مِن ماكياجات الجلد لها تأثيرها الضار، فهي مصنوعة من مركبات معادن ثقيلة، مثل: الرصاص والزئبق، تذاب في مركبات دهنية مثل زيت الكاكاو، كما أن كل المواد الملونة تدخل فيها بعض المشتقات البترولية، وكلها أكسيدات مختلفة تضر بالجلد، وأن امتصاص المسام الجلدية لهذه المواد يحدث التهابات وحساسية، أما لو استمر استخدام هذه الماكياجات فإن له تأثيرًا ضارًا على الأنسجة المكونة للكبد والدم والكلى، فهذه المواد الداخلة في تركيب الماكياجات لها خاصية الترسب المتكامل، فلا يتخلص منها الجسم بسرعة، وإن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة ينشط الحلمات الجلدية فتتكاثر خلايا الجلد، وفي حالة توقف الإزالة ينمو شعر الحواجب بكثافة ملحوظة، وإن كنا نلاحظ أن الحواجب الطبيعية تلاءم الشعر والجبهة واستدارة الوجه".

وبالتالي فخلاصة القول في قضية تغيير خلق الله وهي الأعم مِن قضية النمص:

أ‌- أن أصل المنع مِن تغيير خلق الله ثابت بقوله تعالى -فيما يحكيه عن إبليس-: ( وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ ) على تفسير جمع مِن السلف.

ب‌- كما أنه ثابت بحديث ابن مسعود وأثر ابن عباس رضي الله عنهما.

ت‌- أن أثر ابن عباس فيه الإشارة إلى الضابط الرئيسي فيما يجوز وما لا يجوز في هذا الباب، وهو قوله: "مِن غير داءٍ".

وعليه فخلاصة القول في قضية تغيير وإزالة الشعر:

أن إزالة الشعر ليس كله داخلاً تحت قاعدة واحدة، وإنما هو ثلاثة أقسام:

1- قسم داخل تحت هذه القاعدة بالدليل، مثل: الحاجب واللحية، ولو تأملت أنهما مِن كمال الخلقة ومِن أصلهما وأنهما في الأصل لا ينموان نموًّا يضر بصاحبها، وان هناك مدخلاً للاجتهاد فيما يفحش من اللحية أو الحاجب، بل في اللحية الأثر المعروف عن ابن عمر والذي أُخذ منه الحد بيْن ما يجب ويشرع تركه، وما يجوز أخذه.

2- قسم أمر الشرع بإزالته وهو وإن كان شعرًا إلا أن أماكنه مختلفة، ومعدل نموه مختلف وكلام أهل الطب موافق للشرع هنا في فوائد إزالته كما كان موافقًا للشرع للأول.

3- قسم سكت عنه الشرع، ولكون الشعر ليست فيه قاعدة مضطردة لوجود القسمين الأوليين ناسب هنا أن يقول إن هذا مِن المباح مع أن بعض أهل العلم قد يمنع مِن بعض صوره أو كلها للرجل من باب آخر، وهو التشبه بالنساء، وأما النساء فلا وجه لمنعهن من إزالة شعر باقي البدن غير ما ثبت النهي عنه.

بيان الخلل في بعض ما حملوا الحديث عليه:

1- الخلل الأول والكبير: هو صرف الحديث عن ظاهره بغير موجب، ثم بعده أنواع مِن الخلل فيما حملوا الحديث عليه تأتي في النقاط الآتية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية