تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم
ابن جماعة • الأذكار والآداب • ص 17
ولا يضيع شيئا من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر الضرورة من أكل أو شرب أو نوم أو استراحة لملل أو أداء حق زوجة أو زائر، أو تحصيل قوت وغيره مما يحتاج إليه أو لألم أو غيره مما يتعذر معه الاشتغال فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له ومن استوى يوماه فهو مغبون وكان بعضهم لا يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف أو ألم لطيف بل كان يستشفى بالعلم ويشغل بقدر الإمكان كما قيل:
ونترك الذكر إخلالا فننتكس
إذا مرضنا تداوينا بذكركم
وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، ولا تنال المعالي إلا بشق الأنفس، وفي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم،وفي الحديث: "حفت الجنة بالمكاره".
ولابد دون الشهد من إبر النحل
تريدين إدراك المعالي رخيصة
وكما قيل:
لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله
وقال الشافعي رضي الله عنه: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصا واستنباطا والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه، وقال الربيع: لم أر الشافعي رضي الله عنه آكلا بنهار ولا نائما بليل لاشتغاله بالتصنيف.
ومع ذلك فلا يحمل نفسه من ذلك فوق طاقتها كيلا تسأم وتمل، فربما نفرت نفرة لا يمكنه تداركها، بل يكون أمره في ذلك قصدا وكل إنسان أبصر بنفسه.
الحادي عشر:
أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصبا أو نسبا أو سنا، بل يكون حريصا على الفائدة حيث كانت والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها.
قال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعض العرب:
تمام العمى طول السكوت على الجهل
وليس العمى طول السؤال وإنما
(1/16)