تأويل مختلف الحديث
ابن قتيبة • علوم الحديث • ص 265
المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق
وقد حكى الله تعالى عن أيوب صلى الله عليه وسلم فقال: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} 1.
قال أبو محمد: وأما قولهم في السحر الذي رآه موسى صلى الله عليه وسلم: إنه تخييل إليه، وليس على حقيقته، فما ننكر هذا ولا ندفعه، وإنا لنعلم أن الخلائق كلها، لو اجتمعوا على خلق بعوضة، لما استطاعوا؛ غير أنا لا ندري، أهو بالزئبق الذي ادعوا أنهم جعلوه في سلوخ الحيات حتى جرت، أم بغيره؟
ولا يعلم هذا، إلا من كان ساحرا، أو من سمع فيه شيئا من السحرة.
وأما قولهم، في قول الله تبارك وتعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} 2، ثم قال: {يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين} 1 إن تأويله "ولم ينزل على الملكين ببابل" فليس هذا بمنكر من تأويلاتهم المستحيلة المنكوسة.
فإذا كان لم ينزل على الملكين ببابل، هاروت، وماروت، صار الكلام فضلا، لا معنى له.
وإنما يجوز3 بأن يدعي مدع أن السحر أنزل على الملكين، ويكون فيما تقدم ذكر ذلك، أو دليل عليه، فيقول الله تعالى: "اتبعوا ذلك" ولم ينزل على الملكين، كما ذكروا.
ومثال هذا؛ أن يقول مبتدئا: علمت هذا الرجل القرآن، وما أنزل على موسى عليه السلام.
فلا يتوهم سامع هذا، أنك أردت أن القرآن لم ينزل على موسى عليه السلام، لأنه لم يتقدمه قول أحد: أنه أنزل على موسى عليه السلام، وإنما يتوهم السامع أنك علمته القرآن والتوراة.