شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة • علوم القرآن • ص 139

تحقيق: إبراهيم شمس الدين — دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان

يعثناهم ليسوءوا وجوهكم، فحذفها، لأنه قال قبل: فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا [الإسراء: 5] . فاكتفى بالأول من الثاني، إذ كان يدل عليه.

وكذلك قوله: عن اليمين وعن الشمال قعيد [ق: 17] . فاكتفى بذكر الثاني من الأول.

وقد يشكل الكلام ويغمض بالاختصار والإضمار.

كقوله: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) [فاطر: 8] . والمعنى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، ذهبت نفسك حسرة عليه؟! فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

وكقوله سبحانه: إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) [النمل: 10، 11] لم يقع الاستثناء من المرسلين، وإنما وقع من معنى مضمر في الكلام، كأنه قال: لا يخاف لدي المرسلون، بل غيرهم الخائف، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا يخاف.

وهذا قول الفراء، وهو يبعد: لأن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما يظهر، وليس في ظاهر هذا الكلام- على هذا التأويل- دليل على باطنه.

قال أبو محمد: والذي عندي فيه، والله أعلم، أن موسى عليه السلام، لما خاف الثعبان وولى ولم يعقب، قال الله عز وجل: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون [النمل: 10] وعلم أن موسى مستشعر خيفة أخرى من ذنبه في الرجل الذي وكزه فقضى عليه، فقال: إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء [النمل: 11] أي توبة وندما، فإنه يخاف، وإني غفور رحيم.

وبعض النحويين يحمل (إلا من ظلم) بمعنى: ولا من ظلم، كقوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم [البقرة: 150] . على مذهب من تأول هذا في (إلا) : كقوله في سورة الأنفال، بعد وصف المؤمنين: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق [الأنفال: 5] . ولم يشبه قصة المؤمنين بإخراج الله إياه، ولكن الكلام مردود إلى معنى في أول السورة ومحمول عليه، وذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى يوم بدر قلة المسلمين وكراهة كثير منهم للقتال، فنفل كل امرئ منهم ما أصاب، وجعل لكل من قتل قتيلا كذا، ولمن أتى بأسير كذا، فكره ذلك قوم فتنازعوا واختلفوا وحاجوا النبي، صلى الله عليه وسلم، وجادلوه، فأنزل الله سبحانه: يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول: يجعلها لمن

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية